عندما أصدر كمال داوود روايته "مورسو تحقيق مضاد" وظهوره في عشرات البرامج التلفزيونية الفرنسية على وجه التحديد، ظلت الأسئلة التي تطرح عليه خارج الأدب، كان الأدب والكتابة هما (الهامش) وسؤال الهوية والإيديولوجيا هما (المركز). وخلافا لكل الأدباء الجزائريين الذين تعاقبوا على بلاتوهات التلفزيونات الفرنسية نفسها، كلٌّ يدافع عن اللغة التي يكتب بها، (أدهشهم) داوود بجرعة الجرّأة الزائدة جدا التي تحدث بها في مسائل الهوية والدين، كانت مواقفه كما (البلسم) لبلد مثل فرنسا (مجروحة) وما تزال من جزائر ظلت وما تزال عصية على التدجين!!.
يتقاسم الروائيان كمال داوود وأمين الزاوي ومن هم على شاكلتهم من الأدباء الذين يكتبون بالفرنسية أو تحوّلوا إلى الكتابة باللغة الفرنسية، الاعتقاد أنّ العربية واقعة في (مطب كبير) اسمه (المقدس) يحول دون تحررها من سطوة الدين، واللغة المقدسة في نظر هؤلاء لغة ميتة، لا تصلح للرواية ولا لأي شيء آخر عدا الخطابة داخل المساجد، ولهذا السبب يبرّرون تحوّلهم إلى الكتابة بالفرنسية، ولغة مثل العبرية، المعروف تاريخيا، ارتباطها بالكتاب المقدس، هو من حفظها كل هذه القرون رغم حالة (الشتات) التي رافقت الوجود اليهودي في العالم!!
(الافتراء) الذي مارسه داوود جهرا، تحت أضواء تلفزيونات فرنسا، التي أغدقت عليه الجوائز بسخاء (حاتمي) غير مسبوق، وهو (يتقيأ) فوق بلاتوهاتها حقده (الهائل) تجاه اللغة العربية والعرب والمسلمين، يمارسه الزاوي أيضا منذ تحول إلى الكتابة باللغة الفرنسية، طمعا في جوائز (فافا). لقد قال داوود لمستعمر الأمس الذي تفانى في أساليب (سحق) هويتنا ولم يفلح، إنّ "العربية ليست لغتنا في المغرب الكبير، وإنما هي لغة السلطة ورجال الدين في هذه المنطقة من العالم!!"، لاشك (ضحكت) من تصريحه فرنسا (الرسمية) وفرنسا (الشارع)، لعلمهما أنّ السلطة في الجزائر وإداراتها وأجهزتها، ممثلة في رؤسائها ووزرائها وكبار موظفيها وإطاراتها لا يعرفون العربية ولا يتحدثون بها، بل يمقتونها ويشعرون بـ"المعابة" و"الدونية" إن هم تحدثوا بها!!.
الزاوي من جهته، يخرج قبل أيام ليمارس هو الآخر (الاحتقار العلني) للغة العربية ومن يتحدثون ويقرؤون بها، قال الزاوي إنّ القراء بالفرنسية، أي الجزائريون الذين يقرؤون بلغة فولتير، "أكثر ذكاء وتسامحا من المعربين"، وهو بذلك يقول إنّ القراء بالعربية (أغبياء) و(متطرفين)!!. لا يبتعد الزاوي عن داوود كثيرا في هذا (الريبرتوار)، فداوود سبقه إلى إعلان (فك) ارتباطه بالعربية لأنها "مفخخة بالمقدس" وأن "اللغة العربية المقدسة جدا لغة ميتة جدا". أكثر من ذلك، قال داوود إن لغته هي الجزائرية وليست العربية، وكل من الزاوي وداوود لم يكتبا باللغة الجزائرية، (لست أدري ما خصائصها وقواعدها وبنيتها اللغوية) وإنما كتبا بالفرنسية، وكاتب مثل طاغور ظل يكتب إلى جانب الإنجليزية باللغة البنغالية المحلية، ولم يمنعه ذلك من نيل جائزة نوبل للآداب عام 1913!!
أمثال داوود والزاوي وغيرهم كثير، ممن يَحرصون على أن تسمع (فافا) الكلام الذي (تحبه) نكاية في جزائر الشهداء، طمعا في (وليمة)، هم من يؤخّرون رحيل الفرنسية من الجزائر بعد 55 سنة من الاستقلال، ويعرقلون قدوم الإنجليزية لغة المخابر والتقنية. عيب أن يتباهى روائي مثل الزاوي يعتبر نفسه من النخبة بما أسماه "المجهود الكبير الذي يبذله الشباب الجزائري في تعلم الفرنسية وبوسائلهم الخاصة" وبكون هؤلاء "قراء مجتهدون ومن تخصصات عليمة"، فيما القراء المعربون أغبياء وسدّج لأنهم كما يبدو له "من تخصصات العلوم الإنسانية أو من قطاع التعليم!!". مجبرة على دعوة الزاوي إلى التحلّي بقليل من الذكاء، فأذكره أنّ اللغة العربية باعتراف كبار الألسنيين في العالم، لغة ذكية تؤدي المعاني الدقيقة بإعجاز لغوي فريد، ولهذا السبب قامت واحدة من أكبر الحضارات الإنسانية، الحضارة العربية الإسلامية، على هذه اللغة، فأبدعت في كل المجالات بالأخص المجالات العلمية، من فلك ورياضيات وهندسة وجبر وفيزياء وكيمياء وطب، فضلا عن الفلسفة وعلم الكلام وفقه اللغة، ولا يمكن بحال اتهام الذين يشتغلون بهذه اللغة الدقيقة أنهم أغبياء لا ذكاء لهم !!
وإذا كانت اللغة العربية اليوم تعاني فقدان (البلاغة العصرية)، مثلا تأخر استخدامها في تطبيقات الهواتف الذكية، فلـ (غباء) المؤسسات العربية (القومية) ومؤسساتها التعليمية التي صارت تقدم للناشئة (فتات) اللغة العربية، لا يصلح لكتابة جملة مفيدة واحدة!!
مؤسف أن يتهم روائي مثل الزاوي وقبله داوود وبوجدرة، الأخير قال إنّ العربية تقتله بالجوع لأن دور النشر تسطو على مستحقاته، فاتجه مجددا نحو دور (فافا)، مؤسف أن يتهم القارئ باللغة العربية بالسذاجة وقلة الذكاء، وكل النقاشات التي شهدتها الساحة الأدبية في الجزائر من الاستقلال إلى اليوم يحرّكها المعربون (قراء وأدباء وإعلاميون)، والشهرة التي (ينعمون) بها مردها القراء بالعربية.
حتى الروايات التي كتبها هؤلاء بالفرنسية سرعان ما راحوا يترجمونها إلى العربية بحثا عن سوق أوسع للقراءة، أذكر "نجمة" لكاتب ياسين و"التطليق" لبوجدرة و"الباحثون عن العظام’’ لجاووت و’’طومبيزا’’ لرشيد ميموني والقائمة تطول. لم يكتب الراحل الطاهر وطار بالفرنسية يوما، وكل رواياته الـ11 صدرت باللغة العربية، والذين رفعوا وطار عاليا في المشهد الأدبي المحلي والعالمي، هم القراء باللغة العربية لا الفرنسية، بل استطاعت أول رواياته باللغة العربية "اللاز" مثلا أن (تقضي) على السلطة الأدبية التي صنعتها "نجمة" للراحل كاتب ياسين سنوات طويلة قبله!!.
وطار انتقد توقيف المسار الانتخابي مطلع التسعينيات، وقال حينها عبارته الشهيرة "أنا ديمقراطي حقيقي ولا أستنجد بالدبّابة لأحمي النظام..."، لم يعجب كلام وطار بوجدرة فأصدر بعدها بقليل روايته "فيس الحقد" التي هلّلت لها فرنسا كثيرا. وطار تعرض أيضا للإقصاء بسبب مواقفه من منظمة الفرنكوفونية، وموقفه المؤيد أيضا لاتجاه الكتابة بالعربية. لم يحصل وطار رغم (ثقله) الأدبي في الجزائر وخارجها بجوائز فرنسا. إن المستلبين الذين فشلوا في الكتابة باللغة العربية، وبالتالي تحقيق رواج وسط القراء بالعربية، هم من يتهمون اللغة العربية اليوم بأنها مجرد (بقايا أطلال)، لغة بالية آيلة إلى التلاشي!! إنه اعتقادهم الذي يبرّرون به عزوفهم عن اللغة العربية!!.
الزاوي وبوجدرة وداوود وواسيني وغيرهم كثير ممّن قدموا الجزائري في (كليشيهات) متخلفة، للآخر الغربي، باعتباره كسولا ومعتوها وشهوانيا، لا يختلفون عن ليلى سليماني، المغربية التي تكتب بالفرنسية، وقدمت في آخر كتاب لها المغرب برمته (جسدا شهوانيا) قهوته وغذاؤه وعشاؤه المفضل الجنس وحده، ولهذا السبب (اغتبطت) فافا بليلى، فلم تتأخر في إكرامها، فعيّنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منصب "كبيرة مبعوثي فرنسا للدعوة إلى استخدام اللغة الفر