1- وداعا سيدي بلعباس
أحميدة عياشي
في ظهيرة الفاتح من سبتمبر عام 1979، ودعت عائلتي وألقيت نظرة أخيرة على غرفتي المستطيلة التي قضيت فيها سنوات جزء من طفولتي ومراهقتي، وكتبت على طاولتها الكثير من محاولاتي الأدبية القصصية والشعرية الأولى ونشرت بعضها في جريدة "الجمهورية" ومجلتي "الجزائرية" و"آمال"، ونسجت وأنا مستلقي فوق السرير الخشبي ومحدق إلى السقف الأبيض المائل نحو لون الفرك الساحب، أحلامي المجنونة التي كانت تتجدّد كل مساء عندما أختلي وحيدا بالقرب من مكتبتي التي وضعها لي ابن خالتي غالم النجار، المكتبة التي كنت أزهو بعناوينها أمام أصحابي وزملائي الذين كنت أستضيفهم إلى البيت.. هنا في هذه الغرفة قرأت الأدب الفرنسي الكلاسيكي "البؤساء" و"أحدب نوترودام" لفكتور هيغو و"اعترافات روسو وبوفاري" فلوبير وجارمينال إميل زولا وروايات نجيب محفوظ من "الثلاثية" و"زقاق المدق" و"القاهرة الجديدة" و"ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار والطريق" و"اللص والكلاب" إلى "أولاد حارتنا".. هنا في هذه الغرفة بكيت وأنا تلميذ في السنة الثانية متوسط مع مصطفى لطفي المنفلوطي وأنا ألتهم روايتيه المقتبستين "الفصيلة" و"ماغدولين" وتهت في العالم الغريب والسحري في قلب "عواصف" جبران خليل جبران وحلقت مع "النبي" وسألت نفسي في "دمعة وابتسامة" واشتعلت نيران الشك والبحث القلق عن وجود الله من عدمه مع كتابات "يارتر" الوجودية من "الأيدي القذرة" و"والله والشيطان" إلى "الكائن والعدم". تبدو المكتبة حزينة لوحدتها وفي الوقت نفسه متدثرة بتلك العناوين التي كنت حائرا من منها سأخذه معه في حقائبي إلى الجزائر العاصمة.. أقف تجاهها وأنظر إليهم كلهم، طه حسين، عباس محمود العقاد، زكي نجيب محمود، نيتشه، يوسف إدريس، توفيق الحكيم، دوستويفيكي، عبد الرحمن منيف، جبرا إبراهيم جبرا، رشيد بوجدرة، بلزاك، أبو العلاء المعري، بودلير، رامبو، هيغل، كانط، كلهم يبدو القلق والخوف في ملامح أغلفتهم، وكان علي أن أختار من تصوّرت أنني بحاجة إلى العودة إليهم ومزاملتهم لوقت أكثر، ومن بين الذي لم أتردد في وضعه في حقائبي، الأعمال الكاملة للشاعر العراقي بدر شاكر السياب موشاة بتقديم للمفكر الفلسطيني ناجي علوش والمجموعة الكاملة لروايات دستيوفيكي، ترجمة الدبلوماسي السوري سامي الدروبي، وبطبيعة الحال معشوقي في ذلك الوقت فريديريك نيتشه "هكذا تحدث زرادشت" و"ما وراء الخير والشر". قضيت جزءا كبيرا من ذلك الصباح مع أمي التي لم تتعوّد على فراقي، وظلت طوال الوقت وهي تسدي لي بالنصائح في الحفاظ على نفسي، وفي عدم مخالطة أصدقاء السوء، وفي ضرورة الاتصال بانتظام مع العائلة عن طريق الهاتف وفي عدم تبذير المال الذي بحوزتي، وكنت أهز رأسي بالموافقة دون أن أنبس بكلمة بينما كان خيالي يسرح هناك في تلك العاصمة التي عشقتها عن بُعد من يوم ذهبت إليها لأوّل مرّة مشاركا في سباق السبعة آلاف فيما يسمى بـ"البطولة الوطنية للعدو" صنف أصاغر، حيث كنت عضوا في فريق لوناكو تحت إشراف المدرب الرائع الذي غادر الدنيا وهو في عز الشباب والعطاء أحمد بوترفاس.
وعند الساعة الثالثة شعرت بشيء يلصق بحلقي وموجة عارمة من الإجهاش تتدفق بداخلي وأنا أقف عند عتبة الباب مودعا والدتي مهدية، خاصة أنني رأيت الدموع تسيح غزيرة دفعة واحدة من عينيها، إلا أنّ أبي قال لها بأنني ذاهب للدراسة وليس إلى ساحة الحرب، جلست بجانب أبي في السيارة بينما ركب في الخلف ابن خالتي قدور الذي قضى معي معظم أوقات الطفولة والمراهقة، وتعلمت على يديه كل أساليب الحياة الشيطانية التي أفادتني على كل حال عندما وجدتني وحيدا ووجها لوجه مع الحياة وبعيدا عن عائلتي ورقابة الأقارب والجيران، وعبد القادر معمري، درس معي الابتدائي لكنه توقف عن الدراسة منذ السنة الثالثة متوسط، واشتغل إلى جانب عمه لخضر الذي كان يمتلك أكبر محل لبيع المواد الغذائية في حينا العربي بن مهيدي ڤومبيطا سابقا، لكن ظل الناس يسمون الحي باسمه القديم، ولست أدري هل هي العادة أم هو النفور من كل جديد؟!. وكان عبد القادر متوجها إلى ضواحي الجزائر العاصمة ليؤدي خدمته العسكرية، وليلة من قبل أحيا زملاؤه وكنت من بينهم حفلا ساهرا بمناسبة ذهابه إلى الخدمة العسكرية في منزلهم، حيث رقصنا على أنغام الطبل وموسيقى الساكسوفون ورقصنا إلى ساعة متأخرة.

اليوم، اختفت هذه العادة الاحتفالية ويكاد لا يتذكرها حتى من كانوا يقيمونها في تلك الأوقات.
لم تكن محطة القطار بعيدة عن منزلنا فبعد نحو ربع ساعة توقفنا أمام المحطة وأنزل ابن خالتي قدور ومعمري ووالدي من مؤخرة سيارة أبي "فيورينو" الزرقاء الحقائب، وتوجهنا داخل المحطة واشترى والدي تذكرتين لي ولابن جارنا معمري، وتوجهنا إلى المشرب وتناولنا مشروبات غازية في انتظار القطار القادم من تلمسان والمتوجه إلى وهران، بحيث سننزل في وادي تليلات ننتظر القطار القادم من وهران إلى العاصمة. كنت أشعر بمزيج من الشعور المتناقض الفرحة مع الكآبة، وكان هذا الشعور يعتريني لأول مرة بهذا الشكل القوي والعميق في حياتي، وكانت المحطة في ذلك اليوم غاصة بالمسافرين خاصة شباب الخدمة العسكرية، وكان عبد القادر معمري يشعر بنوع من الاحتماء وهو رفقة والدي وابن خالتي، وما إن أرتفع صوت المضيفة يعلن عن اقتراب وصول القطار حتى نهضنا واتجهنا نحو باب الخروج منخرطين في طابور طويل، عانقني أبي وقال بصوت هامس (قرا مليح وكونك راجل) لأول مرة يقول لي أبي مثل هذه الكلمة، احتضنني قدور وهو يقول لي سيزورني عندما أستقر في الحي الجامعي، وراح عبد القادر يساعدني في حمل الحقائب التي كانت إحداها صلبة وثقيلة كأن بها الصخر، وقلت لابن جارنا وصديقي عبد القادر (أرأيت كم هي الكتب ثقيلة؟!).
اندلقنا إلى رصيف المحطة العريض، وضعنا في خضم الزحمة وركبنا في إحدى عربات القطار ونحن نلهث، وما إن تحرّك القطار رحت أحدق في تلك الجموع المتفرقة التي كانت تظهر من وراء الزجاج علّني أرى والدي وقدور ابن خالتي دون جدوى، وجزنا مكانا ورحنا نصغي إلى صوت الصفارة معلنة إقلاع القطار، فتشبثت عيوني بمنظر البيوت التي كانت تبدو وكأنها تركض، والناس وهم يمشون ينظرون إلينا، بينما الأطفال أمام بيوتهم يلوحون بأيديهم وآخرون يزعقون ويقومون بحركات مشينة، يبدو من بعيد منظر قبة ولي صالح تؤمه النساء كل يوم جمعة صباحا، غارقا في حالة من العزلة والصمت تزيده القبور البيضاء سكونا وخشوعا، وبدأ صفير القطار وهو يغادر مدينة سيدي بلعباس يزداد قوة وحدة وكأنه يقول الوداع، الوداع أيتها المدينة أو إلى اللقاء سيدي بلعباس، ظلت عيوني معلقة بالخارج أرى السماء زرقاء، الأشجار تتعرى من أوراقها والكلاب تراكض القطار في عناد يائس وهي تنبح، لكن صوت القطار كان الأقوى وركضه كان الأسرع.

2- ولا أحدا يعلم أين هي جثة كاظم !
انتظرنا القطار القادم من وهران نحو أربع ساعات، قضيت وعبد القادر معمري الوقت في انتظار القطار ما بين مقهى المحطة والمشي على الرصيف والتفرج على الناس التي هي في حالة انتظار مثلنا، وفي بعض الأوقات كنت أفتح كتابا وأغرق في صفحاته، وأني لأتذكر جيدا تلك الرواية التي قرأت جزءا منها في محطة وادي تليلات عنوانها "شرق المتوسط" للروائي العراقي ذي الأصول السعودية عبد الرحمن منيف، وكانت الرواية الثانية التي قرأتها له بعد "بعد الأشجار واغتيال مرزوق" ومن أول قراءة أحببت منيف، شدني أسلوبه وتقنيات الكتابة عنده ومسحته النقدية البعيدة عن كل خطابية حيث تفتح أمامك الأبواب على مصارعها على عالم فسيح معقد ومظلم لما يسمى حال الإنسان في البلاد العربية، أمام آلهة القمع والقهر والسلب المتوحش للإنسانية الإنسان في ظل أنظمة متعطشة للدم والتلذذ بالإساءة إلى ذاكرة الشعوب التي تتحكم بمصائرها، واكتشفت منيف بفضل أستاذي كاظم العراقي في مادة الرياضيات التي كنت فيها حمارا. وبذل كاظم جهده ليتحسن مستواي قليلا حتى لا تصبح هذه المادة عائقا أمامي من أجل الحصول على تشجيع أو تهنئة، فلقد كان مستواي لامعا في المواد الأدبية والتاريخ والفرنسية والإنجليزية، ولم يكن يتعاطف معي إلا لأنه اكتشف ميولاتي في الكتابة القصصية والشعرية في تلك الفترة، ويوم عرضت عليه محاولاتي الأدبية شجعني مباشرة على إرسال بعضها إلى الجرائد والمجلات الثقافية التي كانت في ذلك الوقت منتظمة الصدور مثل "أمال" و"ألوان" و"الثقافة" و"الجزائرية" والملحق الأدبي لجريدة "الجمهورية" التي كانت تصدر في وهران، وبسرعة تحوّلت إلى صديق له وصار بالنسبة إلي أكثر من أستاذ، بل أخ كبير ومعلم روحي، كان كاظم غزير الثقافة وواسع الاطلاع، يقرأ بل يحفظ عن ظهر قلب الشعر الكلاسيكي حيث كان مولعا بالمتنبي، ويحفظ لنازك الملائكة وبدر شاكر السياب وفدوى طوقان وشاذل طاقة والجواهري وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل صاحب القصيدة المعارضة الشهيرة "لا تصالح" التي سجلها ضد السادات بعد ذهابه إلى إسرائيل وإمضائه مصالحة السلم مع نظام بيغين في كامب دايفد، وكان بيت كاظم يوجد في الطابق الأول من تلك العمارة الجميلة البرادو التي كان يقع أسفلها بار السيلاكت وسيتحول في نهاية الثمانينات إلى مقهى البرادو وملتقى أنصار فريق اتحاد سيدي بلعباس لكرة القدم، وسيصبح مقهاي المفضل ما بين 1995 و1998، المدة التي رجعت فيها مجددا إلى سيدي بلعباس في عز الأيام الدموية العصيبة، وجعلت من المكان نقطة لقاء للذين كنت أحاورهم من رجال الدفاع الذاتي والذين يلموا أنفسهم إلى السلطات العسكرية والأمنية، بعد أن كانوا في الجبال مع المجموعات المسلحة التي كان يقودها الأمير المرعب قادة بن شيحة والأمير الدموي المنشق عن قادة بن شيحة وقائد الجماعة الإسلامية المسلحة في منطقة الغرب الجزائري عقال، أصيل منطقة تلاغ والمدعو "أبو غريب"، وكان كاظم لا يتجاوز الثلاثين سنة، أشقر، مشرق الوجه، ذو عينين خضراوين وشوارب صفراء وشعر حريري مسرح باتجاه الخلف، وكانت الشوشة باستمرار تسقط على جبهته كلما تكلم وتحركت عضلات وجهه، كانت شقته فسيحة، متكونة من صالون يطل على الشارع الفسيح الذي لا تتوقف فيه حركة السيارات والراجلين، ولم تكن الثانوية التي يدرس فيها تبعد عن العمارة المكونة من أربعة طوابق إلا بمائتي متر أو ثلاثمائة على أقصى تقدير، وكان الصالون مضيئ ويحتوي على أثاث قليل، وبجنبه صالة تتسع لمكتبة غنية بالعناوين وميني بار، فيه كل أنواع المشروبات الكحولية الغربية منها والشرقية، وأشهر تلك المشروبات التي كان يثني عليها كاظم هو العرق العراقي، وهو في الحقيقة مشروب يشبه الباستيس، ومنتشر في بلاد الشرق الأوسط لدى الشوام والأردنيين والفلسطينيين واليمنيين، وكان كل من عرفتهم في الجامعة من المشارقة يتناولونه بشراهة رغم قوته ودرجة الكحول العالية فيه، وكان كاظم إلى جانب حبه للشعر والتاريخ والرواية يحب النساء، وفي ذات مرة عندما رآني متعلقا بفتاة إلى درجة الهوس والكآبة شجعني على أن لا أكون مثاليا وحالما فوق اللازم، وقال لي إن الروح لا يستقيم لها معنى إلا إذا تجلت من خلال الجسد، وأخذني مرة في سيارته وتجولنا في مدينة سيدي بلعباس وعرّفني على فتاة كانت صحبة صديقته وشجعني على المغامرة، إلا أنني ترددت واحمر وجهي وتصبب العرق من جبيني وقالت له صاحبته بأنني لازلت فتى غرا، لكن غدا سأعرف وأصير ثعلب نساء خطير، ومع ذلك جاءت المرأة والفتاة رفقتنا إلى شقته وبقيت مثل التمثال حتى صرخت المرأة وهي تضحك وهي تقول لكاظم "علم المسكين شوية"، فقال لها إني أحب زميلة لي في الثانوية، وعندئذ قالت تلك المرأة "خليه يحب" ثم بعد أن تناولتا معه العرق واستمعتا إلى الموسيقى العراقية، وأغاني ناظم الغزالي، انصرفتا، وهما يحملنا بعض العطايا التي منحها لها إياهما صديقي وأستاذي كاظم. وفي ذلك المساء، راح يعطيني دروسا في الجنس والحب والمرأة وحملني ببعض الكتب لا أتذكر عناوينها كلها، لكنني بقيت أحتفظ إلى الآن بأحد عناوينها وهو "النشاط الجنسي وصراع الطبقات" لرايموت رايش، وهو كتاب ظل في مكتبتي طيلة سنوات طويلة، قرأته مرات عديدة ووضعت على هامشه ملاحظات بقلم الرصاص، واقتطفت منه بعض الفقرات التي وجدتها ذات أهمية بالغة بالنسبة إليّ، وقد تعلمت من كاظم هذا الأسلوب في القراءة وتسجيل الأفكار والعبارات التي قد ألجأ إليها في المستقبل، بعد أن تكون الذاكرة ربما نست ما وقر فيها بعد القراءة، ومن بين الفقرات التي سجلتها من قراءتي هذا الكتاب الذي فتح لي عيني على آفاق جديدة في التحليل والنظر والمعرفة، أورد هنا واحدة منها على كراسة قراءاتي مقتطف أول "النشاط الجنسي وصراع الطبقات" يدرس على أساس علمي وإحصائي، نظري وتجريبي، مسائل الحياة الجنسية ومشاكلها في مجتمعين أساسيين من المجتمعات الرأسمالية المتطورة... ويضع المؤلف يده على العلل الرئيسية والعاهات الاجتماعية التي تطبع هذه المجتمعات في ميدان الجنس والصراع الطبقي، وهي إدماج كل الحياة الجنسية لجميع فئات الأمة داخل النظام الاحتكاري القائم ومسخ الحياة الجنسية وجعلها مجرد سلعة، وإعطاؤها وظيفة غرض استهلاكي وحرمان الجسد البشري من مزاياه الجنسية والوجدانية وإضفاء طابع جنسي ووجداني ظاهري على العلاقات البشرية، وكذلك على علاقات البشر بإنتاجهم، وكبح الغرائز الجنسية والرغبات وصرفها في الوقت نفسه نحو نزعة عدوانية موجهة، وهو شيء شديد الخطورة على شعوب أخرى، فضلا عن الشعب نفسه "ومن بين الكتب التي اشتراها لي كاظم مقدمة ابن خلدون التي بقيت محتفظا بها حتى بعد اختفائه القسري بسنوات في العراق، وكان ثمنها بسبعين دينار جزائري، وأذكر كاظم بشكل أساسي لأن نهايته كانت مأساوية لم أتمكن إلى الآن نسيانها أو تمكن الزمن من محوها، فلقد كان كاظم ينتمي إلى حزب البعث، فلم يكن معارضا ولا شيوعيا على رغم أفكاره اليسارية والتحررية التقدمية، ولقد كان يتحدث بشكل دعائي في بعض الأحيان عن تاريخ حزب البعث العراقي وعن ميشال عفلق وكذلك عن الرئيس العراقي آنذاك البكر ونائبه صدام حسين، وزودني بعدة كتب لصدام يتحدث فيها عن التراث ودوره في تاريخ الأمة العربية وعن الاشتراكية وكتابين لازلت أذكر عناوينهما لميشال عفلق "معركة المصير" والثاني عبارة عن محاضرة ألقاها منظر ومؤسس حزب البعث عفلق بمناسبة ذكرى مولد النبي تحت عنوان "في ذكرى مولد النبي"، ولم يعرض علي كاظم الانخراط في حزب البعث ولا يوم، خاصة أنني كنت أرى الكثير من الكوادر العراقية المنتمية إلى حزب البعث من الأساتذة كانوا يزورونه في مناسبات معينة ويجتمعون في بيته طوال النهار، فقط قال لي بعد أن تحصلت على شهادة البكالوريا إن كنت أرغب في الدراسة في ألمانيا برعاية تنظيم قومي عربي في المهجر، إلا أنني شعرت بالحرج وأنا أقول له بأني أفضل البقاء بالجزائر قرب عائلتي وأضفت كاذبا بأني مناضلا في حزب جبهة التحرير، فشعر بالحرج وظهرت على ملامحه علامات كآبة صامتة وأدركت أني جرحته لأنه استغرب كيف خبأت عنه انتمائي لحزب جبهة التحرير، أجل كنت كاذبا ولم تدر بخلدي يوما أن أكون مناضلا في حزب أحادي، بل لم تكن فكرة الحزبية تجول تماما في ذهني، غادرت سيدي بلعباس دون أن أراه من شدة الخجل والحرج، والتقيته بالصدفة مرة بالجزائر العاصمة في إحدى المهرجانات السياسية المحتفية بيوم الأرض الفلسطيني، تكلمنا باقتضاب، وكان رفقة أحد الموظفين بالسفارة العراقية طويل وضخم الجثة متجهم، ذو شارب كثيف، ونظرات مقيتة ودم ثقيل، وبدا لي أنه من رجال الأمن المتلصصين على الطلبة العراقيين بالجامعات الجزائرية من الشيوعيين بشكل خاص ومن الأكراد المعارضين، وبعد وقت تجاوز العامين أو الثلاثة التقيت في إحدى زياراتي لسيدي بلعباس بيوسف وهو أستاذ فلسفة بثانوية الحواس، حيث درسني كاظم وكان في الوقت نفسه صديق لأبي ولأستاذي في مادة الرياضيات، أخبرني أن كاظم عاد بعد أن تزوج جزائرية من سيدي بلعباس خلفت له طفلة إلى بغداد، كان ذلك على ما أظن في نهاية 1981، وكانت الحرب بين العراق وإيران بعد أن أبعد صدام خاله الرئيس البكر وصار على رأس السلطة، ثم قال لي يوسف ذلك الخبر الفاجع بأن أستاذي كاظم تم اقتياده من قبل المخابرات وهو في المطار رفقة زوجته وصغيرته إلى مكان مجهول، في ذات اليوم الذي حطت فيه قدماه أرض العراق، وظلت زوجته تنتظر رجوعه طيلة عامين وهي مقيمة لدى عائلته، لكن أستاذي كاظم ظل في عداد المفقودين لا تعرف عنه زوجته ولا أمه ولا باقي أفراد عائلته شيئا، لقد تم اختطاف كاظم عقابا له على التحاق شقيقه بحزب الدعوة الشيعي، وبعد أن سقط صدام وسقطت العراق على إثر الغزو الأمريكي، ظهر أن اختفاء كاظم كان اختفاء كليا ونهائيا، أجل لقد قتل كاظم لكن لا أحد عرف كيف؟، ولا أحد عرف أين اقتيد كاظم؟، أين هي جثة كاظم؟، أين هي عظام كاظم؟، لا أحد يعلم، لا أحد يعلم!... لقد قتلوا كاظم.