جان عمروش الموهوب، من الكتاب والمثقفين الجزائريين المسيحيين التقدميين الذين أدوا دورا مهما أثناء الحرب التحريرية والدفاع عن القضية الجزائرية في الأوساط الباريسية الثقافية والفكرية، فلقد كانت له علاقات عميقة وقوية مع عديد الشخصيات المؤثرة في صناعة الحدث والقرار الفرنسي، مثل الكاتب أندري جيد وأندري مالرو وجان بول سارتر والبير كامو ومانديس دو فرانس وجان دانيال وجان قيران، كان صحافيا بارزا في الميديا الفرنسي وأدى دور الوسيط بين الجزائر التاريخية والجزائر المكافحة من خلال العلاقة مع رئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية فرحات عباس..
إنّ هذه الشخصية عاشت دراما مزدوجة خاصة بعد الاستقلال، توفي جان عمروش الموهوب بأيام قبل الاستقلال متأثرا بمرض قاتل، حيث عبّر بتأثر عن حزنه لصديقه رئيس الجهاز التنفيذي لحكومة روشي نوار عبد الرحمن فارس لما زاره في المشفى بتونس وهو يحتضر، أنه لن يرى الجزائر وهي تحتفل بعيد استقلالها.. ويمثل هذا دراما مزدوجة كون عمروش مسيحي الديانة، محسوب على الوسط النخبوي الفرنسي لكن في الوقت ذاته هو جزائري ينحدر من عائلة قبائلية من أغيل علي اختارت الديانة المسيحية وهاجرت إلى تونس. لقد تعرّضت عائلة عمروش للتعتيم والإقصاء بسبب ديانتهم في ظل سيطرة الإيديولوجيا الرسمية للدولة الوطنية المتمثلة في العروبة والإسلام، وسيستمر هذا التجاهل لمثقف ملتزم، تقدمي ووطني مثل جان عمروش طيلة العقود التي تلت الاستقلال، فلم يُعترف به كمثقف جزائري ولم يحتف بكتاباته ولم يُعترف بجزائريته وظل اسمه مبعدا من البرامج المقدمة للتلاميذ والطلبة ونصوصه منسية وغير معترف بها، لكن خلال السنوات الأخيرة هناك يقظة ووعي لدى بعض الباحثين والنقاد مثل تسعديت التي أعادت له الاعتبار من خلال جمع نصوصه الأساسية والسياسية تحت عنوان "جزائري يتوجه إلى الفرنسيين" أو "تاريخ الجزائر عبر النصوص الممتدة من 1943 إلى 1961" يتساءل فيها إذا ما كانت ستبقى إفريقيا فرنسية، ويفسّر أسباب تمرّد الجزائر ضد فرنسا ويضيء زوايا الحالة النفسية للجزائر المستعمرة ويرافع ضد اليأس ويتعرّض لمسألة الحوار بين ديغول والثورة الجزائرية.
الكتاب يحتوي مقالات ووثائق في غاية الأهمية صدرت في عام 1994، لكن قامت "منشورات خطاب" بإعادة نشرها عام 2013 في الجزائر.
تكشف لنا هذه الرسائل وجهة نظر الجزائر لمثقف ملتزم، متحرر ونقدي وتنير لنا زوايا في مقاربة مسألة التحرر والحرية وتصفية الاستعمار... إنّ هذا الكتاب يدعونا اليوم ونحن نستعيد ذكرى أول نوفمبر إلى التفكير بطريقة مغايرة وجديدة وجريئة لمسألة الذاكرة التاريخية والوجدانية على ضوء الإشكالات التي ظلت تضعنا وجها لوجه مع الحقيقة المشوّهة والمغيّبة.