دخلت الحركة الوطنية في نهاية الأربعينيات في أزمة عميقة، ميّزها الانقسام العميق داخل الحزب الوطني، الحركة من أجل الحريات بين ثلاثة توجهات أساسا، الموالون لمصالي كرئيس تسلطي ورافض للتعددية والديمقراطية داخل الحزب، مبجل للزعامة وبالتالي محتكر للسلطة ومجذر لثقافة الزعامة والأحادية، وتيار بيروقراطي رافض للأحادية ميّال لسياسة الأمر الواقع ومؤمن بشرعية العمل السياسي ضمن المنظومة الكولونيالية يؤمن بالإصلاحية كبديل عن العمل الثوري، وغير متحمّس للشعبوية كشكل وأسلوب للنضال، وتيار ثالث يقوم على نظرية العفوية والعمل المسلح، وحدوي وشمولي ومبجل للحركة على حساب العمل السياسي وغير معترف بسياسة الأمر الواقع..
كان التياران الأولان يتشكلان من الكوادر القديمة والتي تربت داخل الجهاز البيروقراطي على الطاعة والانضباط، وتشربت النضالية منذ صغرها، وهي في تراوحها بين عبادة الشخص / الزعيم وعبادة التنظيم تشكل ذات الارتباط بالعقيدة السياسية، معبرة عن ولائها بشكل يتنازعه الوفاء للميتافيزيقا التنظيم تارة ولسحرية الزعيم تارة أخرى، وفي النهاية يكشف التعبير عن ذلك التناقض العميق بين المصلحتين، الخاصة والحزبية داخل الجهاز البيروقراطي وهذا ما سيجعل من التيار الثالث المنبوذ أن يحل محلهما، بتجاوزه لحدود التناقضات بينهما وللرؤية الواحدة ذات الوجهين المختلفين ظاهريا، ما جعله يصبح صاخب الريادة وفي مقدمة اللحظة التاريخية التي كانت بحاجة إلى هواء ودم جديدين..
لم يبال التيار الثالث الثوري، الوحدوي، كونه لا يمثل رأي الأغلبية، ولا يعبر داخل مؤسسته الحزبية إلا عن أقلية غير معترف بها من المصاليين ولا من كوادر اللجنة المركزية، لكنها كانت تمتلك تلك القوة وهي قوة المجازفة التي ستمنحها سلطة توليد التاريخ من رحم الأزمة التاريخية المزدوجة للنظام الكولونيالي للحركة الوطنية التي رأت النور في قلب وأحضان هذا النظام في الوقت ذاته.. ومن هنا فإن هذا التيار الذي سمى نفسه اللجنة الثورية للوحدة والعمل والذي سيتحول إلى جبهة وطنية للتحرير عمادها الحرب الثورية المسلحة لتقويض النظام الاستعماري ومحو العمل السياسي المطلبي وابتكار فسلفة ونهج جديدين من صلب المغامرة الثورية العنيفة.. وهذا ما سيجعل من تاريخ أول نوفمبر محطة تاريخية نوعية في حياة الجزائري، وبالتالي قفزة في عالم النور، تجاوزت البشر والمؤسسات والأدبيات القائمة والسرديات مقابل الزمن العنيف (الثورة) ودشنت ما يسمى بروح نوفمبر ليس دفعة واحدة بل من مخاض ولادة عسيرة ذات مستويات متعددة وولادات صغرى داخل الولادة التاريخية الكبرى، ولادات اتسم بعضها بحالات إجهاض وبعضها بحالات عدم اكتمال، ما جعل الثورة تتجلى بوجوه شتى تمثل الولادة والموت والحرية والعبودية والانطلاقة والجمود والقوة والضعف والعظمة والانحطاط في زمن متشعب واحد.