لا يزال الكلام محتشما وغير واضح عن مسألة ما بعد الوطنية التي لم تجد طريقها إلى النقاش العام في الإعلام والوسائل الاتصالية الأخرى، وذلك على الرغم من أنها عبّرت عن نفسها من خلال المأزق العميق الذي دخلته الوطنية الجزائرية بدءا من أكتوبر 88، ودخولها الحرب الأهلية التي اتخذت شكل المواجهة الصادمة بين الإسلاموية الراديكالية والدولة الجزائرية التي اختزلت وقتها في السلطة الغامضة التي سيّطرت عليها البيروقراطية الأمنية والسياسية، لتظهر من جديد في ثوب الأحادية ذات الواجهة التعددية الهشة والهجينة..
ما بعد وطنية هي ليست إنهاء للوطنية التاريخية بقدر ما هي انبعاث لوطنية موزاييكية غير مركزية وغير بيروقراطية، تفضّل العودة إلى حوكمة جديدة غير جامدة تفضل توسيع هامش الاستقلالية الذاتية في تسيير الشأن العام والإداري، وبالتالي تفضّل المرونة في التسيير على الجمود والأحادية التقليدية، وهذا بتناسب مع المعطى الجديد الذي أفرزته التطورات المختلفة التي طرأت على المجتمع الجزائري ومن هنا أصبح الهيكل القديم للدولة البيروقراطية يشكل عائقا أمام تطور الثقافة السياسية الجديدة وأمام تنامي القوى الجديدة داخل المجتمع المتحول، فالجزائر التي أصبحت تشكل قارة ثقافية باتت في تناقض أمام الشكل القديم في الإدارة العامة للثروات والقدرات الوطنية وللثقافات والذهنيات، ما أصبح من الضروري إقامة إصلاحات جذرية وعميقة في بنية الدولة نفسها، وذلك بالانتقال إلى شكل آخر من الحكم، يتمثل في التخلي عن الحكم المركزي والانتقال إلى الحكم الذاتي الذي يسمح بتنافس القدرات المحلية وبروز قيادات إدارية وثقافية جديدة، بإمكانها أن تضخ دماء جديدة داخل المجتمع، وهذا ما سيجعل الجزائر تجد روحها المغيبة بسبب البيروقراطية والعقول المتحجرة المهيمنة المعادية لأي تغيير.
إن خيار الحكم الذاتي وتعميمه يشكل ضرورة تاريخية تتطلبها فترة ما بعد الوطنية، وكل تجنب له يعني الإبقاء على الجزائر في هياكل لم تعد تتماشى والمتغيّرات الجديدة التي أصبحت تتناقض في سيرورتها مع النظام البيروقراطي القائم، الذي أصبح علامة على الرجعية والجمود وقتل روح المبادرة .
إنّ الوطنية لا يمكن تجديدها بالشعارات أو الخطابات القديمة، وإنما بالأفعال الرمزية والخطوات الفعلية التي بإمكانها دفع البلاد نحو الأمام، نحو الغد المنظور بدل سجنها ضمن سياجات دوغمائية تنعكس على مصيرها بالسلب... فمتى تتحرر الإرادات وتنفتح العقول ونتخلص من الطابوهات العقيمة؟.