أرسلت الحكومة مؤخرا إشارات عن إمكانية تعديل قانون النقد والقرض مرة أخرى بعد أن تم تعديله مرتين خلال 20 عاما منذ العام 1990 . القانون المذكور تعرض لكثير من الملاحظات خلال المرحلة التي أعقبت اتفاق التعديل الهيكلي مع صندوق النقد الدولي العام 1998 ولكنها لم تؤخذ بعين الاعتبار في وقتها بسبب ضعف منسوب الاستشراف في السياسات النقدية للدولة ، وربما حان أوان إدماج اليقظة الاستراتيجية في التفكير المالي والنقدي لمنظومة السياسات الاقتصادية حتى لا تكون التعديلات المرتقبة في خانة رد الفعل تجاه صعوبات الموازنة بما يتيح للأعوان الاقتصاديين في الداخل والخارج ميزة تصميم مخططات استثماراتهم وأعمالهم حسب معيارية ( التيقن ) وليس ( عدم التؤكد ) .

حدود قانون النقد والقرض
فقدت البنوك التجارية سيولة مهمة خلال العشر سنوات الأخيرة بسبب ضعف منظومة متابعة الاستثمار على مستوى القطاعين العام والخاص معا ، وتصل ديون البنوك التجارية غير المحصلة الى سقف 45 مليار دولار ما يعني 75 بالمائة من القروض البنكية حتى عام 2015 ، ولهذا نتحدث عن انخفاض حاد من موجودات البنوك التجارية حولها من حال الفائض قبل عشر سنوات بـ 24 مليار دولار الى حالة سيولة لا تتعدى سقف 7 مليار دولار حاليا ، رقم بعيد عن إمكانيات السوق النقدية في تمويل المزيد من مشاريع الاستثمار ويدفع للبحث عن حلول جديدة .
الحلول الجديدة لا يسمح بها قانون النقد والقرض الحالي لأنه قانون مصمم على أساس اقتصاديات الريع والتوزيع واقتصاديات الخزينة في التمويل والتطهير المالي وليس على أساس اقتصاديات الثروة والمؤسسة التنافسية وأساس المخاطرة ، وبمعنى آخر أولوية القانون لاتزال لصالح السوق النقدية المبنية على التمويل التقليدي في حين يتطلب الوضع إدماج سوق رأس المال والسوق المالي على أوسع نطاق بما يتيح الفرصة لنضوج وتطبيق أدوات التمويل المبتكر.

أربع بوابات
حدود قانون النقد والقرض الحالي واضحة في مجال توفير السيولة للاقتصاد في حالة أزمة موازنية أو مالية ولكنها في منظور الاستشراف تتعدى الى ( مصيدة السيولة ) أي حتى وإن نجحت الحكومة في التخفيف من مشكلة السيولة شح بتعديل القانون المذكور فربما اصطدمت مستقبلا بأزمة المفاضلة بين تمويل الاستثمار المؤدي للأرباح مختلفة المخاطر وتمويل التوظيفات المالية قليلة المخاطر لا سيما إن تمكنت البورصة من استعادة دورها في التمويل . ولهذا لا بأس من التدخل عن طريق البوابات النقدية وهي أربع ممكنة جنبا الى جنب البوابات الاقتصادية وهي كثيرة وليس أقلها رفع ربحية قطاع الاستثمار وتنافسية القطاع الرسمي .
يحتمل أن تفتح التعديلات المرتقبة لقانون النقد والقرض الباب لحسم الايداع الالزامي للبنوك التجارية لدى البنك المركزي الذي انخفض مؤخرا لعتبة 4 بالمائة من سقف 12 بالمائة خلال سنوات قليلة الشيء الذي يناقض معيارية ( بازل 3 ) في موضوع أمان المودعين ، ويحتمل أن تلجأ الحكومة للتوسع النقدي من خلال المديونية الداخلية بقيادة الخزينة العامة للدولة أي إصدار السندات الحكومية ( باب يفتح المجال لطبع النقود بضمان أصول الخزينة ) وربما سيتوسع الاصدار للسندات بالعملة الدولية أسوة بكل من مصر وقطر والسعودية وهي دول تحاكي وضعنا المالي نسبيا . وقد يسمح التعديل المذكور بتفعيل آليات التمويل خارج السوق النقدية لصالح شركات الاستثمار وتوظيف الأموال وشركات التأمين وتفعيل آليات السوق المفتوحة وآليات السوق المالي وذلك بتشديد الرقابة والمتابعة و تشديدعمليات السوق النقدية . كما تبدو فرصة أخرى لصالح تعديل قانون النقد والقرض وهي اعتماد أسلوب التمويل التشاركي ( تقاسم المخاطر ) بالسماح بإنشاء البنوك التي تعرف دوليا بالبنوك الاسلامية وبالتالي إنتاج منتج جديد واسع النجاح والمعروف بـ ( الصك الاسلامي ) ، ومع تحرير البورصة سيقود هذا النوع من الصكوك حجما هائلا من ادخار العائلات والشركات والذي يعد من من أعلى مستويات الادخار في منطقة المغرب العربي و شمال افريقيا ومعدله يصل لسقف 38 بالمائة على عكس مستوى مساهمته في استثمار العائلات والذي لا يتعدى عتبة 18 بالمائة .
هذه البوابات إن طبقت سيكون لها أثر ايجابي تحت فرضية اصلاحات اقتصادية حقيقية تخص ترشيد الاستيراد ، ترشيد الدعم الاجتماعي ، ترشيد الانفاق العمومي ، تخصيص أفضل للموارد ، وستكون لها نتائج جانبية في المرحلة الأولى وهي صعود التضخم لأكثر من رقمين متزامنا مع بطالة مقنعة ، وضع العائلات والشركات أمام أدوات تمويل متنوعة ما يسمح بظهور مصيدة السيولة في تفضيلات الادخار بين أرباح الاستثمار والأسهم وأسعار الفائدة سواء على السندات أو القروض ، الشيء الذي يدفع الى تفكير أعمق في موضوع ضبط السياسة النقدية في الجزائر على نحو يتجاوز بكثير تعديل قانون بناء على موضوع التصحيح .
[email protected]