في طوب سوكري يعود إلينا الصحفي المحقق، فاروق معزوزي، الذي كاد أن يختص في أفلامه الوثائقية في المسكوت عنه من ذاكرتنا التاريخية البعيدة والقريبة من جديد، ليفتح لنا ملفا شائكا ومعقدا ظل لوقت طويل دفين النسيان والتناسي، وهو ملف الشهيد المغدور، العقيد شعباني، عشية الاستقلال من قبل رفاق السلاح باسم التمرّد والخيانة الكبرى.
عنوّن، معزوزي، حلقته الأولى التي قدّمتها لنا قناة "الشروق" مساء الخميس بـ"الصعود إلى الجبل"، وتطرّق فيها إلى صفحة ظلت لوقت كبير محاصرة ومضروب عليها بستار من حديد، وهي صفحة المنطقة الجنوبية ومساهمتها التاريخية في حرب التحرير، وهي المنطقة التي أعطت للثورة أحد أبرز رجالاتها، وهو العقيد الشاب شعباني (من مواليد 1934) لأوّل مرّة، يكشف في فيلم وثائقي عن هوية هذه المنطقة الإيديولوجية والسياسية والثقافية والعسكرية، يقول لنا معزوزي من خلال الشهود والمعلقين الذين استنطقتهم بأن لمنطقة الجنوب خصوصية لم تكن تتميّز بها المناطق الأخرى بصورة حاسمة، وهو ارتباطها بالجانب الديني والتطبيق الصارم لمبادئه في المنطقة، (هل هو إسقاط إيديولوجي أم حقيقة تاريخية؟!). إنّ شخصية مثل سي الحواس على رغم من أنه ليس من المنطقة، عيّن لانسجامه فكريا مع أناس المنطقة الفاعلين، ويبيّن ذلك ارتباطه بعميروش المعروف بنزعته الدينية وتشبثه الحرفي بالدين (وقد استشهدا معا في ظروف غامضة). ويطرح، معزوزي، نقطة في غاية الأهمية وهو الخلاف الإيديولوجي بين مجموعة الصومام وجماعة منطقة الجنوب، مما يكون قد دفع برفاق عبان رمضان إلى إهمال دعوة ممثلين عن الجنوب في مؤتمر الصومام، كما أشار معزوزي إلى أنّ جماعة الصومام حاولت أن تفرض على منطقة الجنوب قائدا ليس من المنطقة وهو علي ملاح، (من منطقة القبائل)، وبعد استشهاده عيّن سي الحواس الذي يقول عليه شهود معزوزي إنه كان شخصية قيادية يعرف عنها قوة التنظيم والاستقامة.
يؤكد هذا الجزء من الفيلم الوثائقي عن شعباني، أننا لازلنا لم نكتب تاريخنا ولم نناقشه بما فيه الكفاية وبكل موضوعية وشجاعة، وهذا ما سيجعله يكتم أنفاسنا ويجثم فوق صدورنا كلما سعينا بتجاهله والتنكر له، ومحاولة احتوائه بالصمت والخطابات المزيّفة التي تتجنّب قول الحقيقة كما هي وليس كما يراد لها أن تكون.