استقبلنا الاعلامي والشّاعر اسماعيل غربي في مدخل فندق" لوس" العتيق بكلّ حرارة،وأطلق زفرة عميقةلأنّنا وصلنا بخير ولم تدفنا رمال سوف،تسللت إلى غرفتي وأنا أترنّح من شدة التعب، حتى أنني " تغاشيت"في زاوية من زواياها، في حين كان الصديق " ابراهيم صديقي" يصول ويجول كعادته،يّسلّم على هذا ويعانق ذاك،وكأنّه بُعثت فيه روح جديدة، ومع صلاة الفجر كنت أتجول في فضاءات المدينة السّاحرة،وأدركت حينها سرّ إنجاز صديقي الاعلامي الكبير عبد القادر مام لشريطه الوثائقي البّاهرحول وادي سوف الذي كان بعنوان "الرّمل الأخضر،جنة صحراء الجزائر"،حيث استغرق العمل فيه ستة أشهر،أبرز فيه شخصية الرّجل السوفي قاهر الرّمالالذي لا يتعب وهو يحفر مقدار ثمانين إلى مائة مترعمقا من أجل تحريرغوطة تصلح للفلاحة، ثم يسيّجها ويحميها بسعف النخيلحتى لا تأتي عليها الرّمال الزاحفة، وهكذا يعيش السوفي حياته في حالة استنفار قصوى بين الكرّ والفر،فلا وقت لديه للثرثرة والقيل والقال وكثرة السؤال، وهو بذلك يستحق أن نرفع له القبعة إكبارا،ومن حقّه أن نراه في السوق الشهير باسم ليبيا وهو يحتفل بالغلّة :"عندي تشينة حلوة وبنينة، واللّي يحبنا يجينا"،"جلبانة مليانة وما يشريها غير اللّي يعترف بينا وسيد الرّجالة"،" الطماطم خمسة بعشرين للنّاس الباهيين".ومن محاسن الصُدف أن التقيت بالفنان الكبير عبد الله منّاعي الشهير بأغنية "على ولد الخالة يا اللارة ، خلاّها مريضة في حالة "، وانشرحت أساريره أكثر لمّا علم أنّني من قصر البخاري، وقادتنا الدردشة إلى الممثل الكبير حسن الحسني،حيث كان الرجل شاهدا على زيارته التاريخية إلى وادي سوفبصحبة فرقته المسرحية الشعبية، والتي تحمّلت كل هذه المسافة القاهرة من أجل أن تتقاسم بعض السعادة مع أهل هذه المدينة، حيث أحاطت الجماهير السوفية بحافلتهم المهترئة، وأنزلوا ضيوفهم خير منزل، وكان في رأي المنّاعي " بوبقرة" آنذاك نجما فوق العادة،وأكثر سعادة لمّا تشرّف بمشاركته الاحتفالية في سوف وفي بوسماعيل وفي مدن جزائرية أخرى، و لا زال يذكره بخير، فوصفه بالطيب الفحشوش وبالمسامح والكريم، وأنّه " باهي ياسر"،وكان يملك جاذبية رهيبة مع كلّ حضور، حيث كان حبّوب الجماهير أينما حلّ، ويخطف الأضواء من الجميع، لأنّه كان صوت الشعب بلا منازع...ومن عبقرية الرّجل أنّه نجح في جعل لهجته القصراوية لهجة يفهمها ويتفاعل معها الجميع لأنها صادرة من الوجدان ومن الروح، وحدثني المنّاعي عن جلسات شيّقة جمعته بـ" بوبقرة" في فندق "سوف" القديم أين كانت تقيم الفرقة ...وحين حضر وقت الغداء كنت أتمنى أن أتذوّق كل أطباق سوف الغنية،وعلى رأسها الأكلة الشعبية "الدوبارة"أو" دبّر راسك"،والمطبقة( البيتزا السوفية)، والمطابيق(المحاجب)، والمسقّي(الكسكسي)،لكن في النهاية كان الخيار مع شخشوخة حارة دخلت على إثرها في غيبوبة، وحين فطنت منها التقيت بالرائع الكاتب بشير خلف الذي جاء لزيارتنا من أقصى مدينة قمار ، محمّلا بالفرح وبمجموعة من الكتب،فإذا كان رمل سوف الأخضر أنتج لنا أكبر ثروة من النخيل، وجعل سوف في الصدارة وطنيا بمنتوج الفول السوداني والتبغ والملح، وخزان كبير للمياه والخضر...كما لبركات هذا الرمل الأخضر الفضل أيضا في ظهور رموز سامقة من العلماء والمشايخ والأدباء و رجال المال و الأعمال،في صورة ابراهيم بن عامر، الهاشمي الحسني، حمزة بوكوشة، أبو القاسم سعد الله، بلقاسم حبّة،عبد الرزاق قسوم،محمد العيد آل خليفة،سليمان جوادي، الطاهر بن عائشة،أحمد حمدي،خالد عمر بن ققة، مشري بن خليفة،المثردي السعيد، مكاوي أحمد،بشير خلف، هميسي عبد الرشيد، حنكة حواء، فتحي صحراوي، يحي موسى، ميداني بن عمر، علي عنّاد، بدر منّاني،و جيلالي مهري صاحب مركب الغزال الذهبي و القائمة طويلة..ودّعنا فرقة جمعية عشاق الخشبة للفنون المسرحية وهي مشكورة على صناعة الفرجة والفرحبإمكانيات بسيطة لكن بإرادة السوفي الذي لا يُقهر ...وشغّل صديقي برهوم محرّك السيارة، والوجهة بوسعادة الماجدة..وفي الوقت الذي كانت فيه العجلات تغوص في رمال العودة... شغل المذياع فكان صوت المنّاعي يُشنفنا برائعته"يا بنية العرجون"..