ارتبطت جمعية العلماء بالماضي، بشخصية عبد الحميد بن باديس الذي مرّ على وفاته نحو ثمانية عقود، وإلى حد ما بالرجل الثاني الذي تولى قيادة الجمعية بعده البشير الإبراهيمي، في حين ضرب ستارا حديديا على شخصية كانت سجالية ومثيرة للجدل، مثل شخصية الطيب العقبي الذي كان قريبا من الخطاب الوهابي ومتبنيا له، واستقال من الجمعية بعد أن شعر بالخذلان من إخوانه، خاصة بعد أن خرج من السجن على إثر تهمة الإمام كحول الباطلة الموجهة ضده، وهذا ما جعله يقدّم استقالته خصوصا بعد تعرّض بعض مقالاته للرقابة من قبل مبارك الميلي ولم تجده شكواه لعبد الحميد بن باديس تجاوبا فبادر بتأسيس جريدة خاصة به، ثم كانت نهايته حزينة بسبب عدم إيمانه باندلاع ثورة نوفمبر، ومات بعيدا عن الأضواء ومتنكرا له من قبل إخوانه من العلماء، وبعد الاستقلال تعرّضت الجمعية للحظر مثلها مثل الأحزاب السياسية التي كانت في الفترة الاستعمارية، إلا أنّ بومدين عرف كيف يحتوي جزءا مهما من رجالاته داخل جهاز الحكم مثل عباس وحماني وغيرهما، ليضفيان الشرعية على سلطته ولقد أدى ابن البشير الإبراهيمي دورا في هذا المجال، بينما تعرّض رجالها المعارضين مثل سلطاني إلى التهميش والمضايقة من قبل السلطة، مما أدى برجل مثل سلطاني إلى التشدّد إلى الدرجة الذي اعتبر فيها في كتابه "سهام الإسلام" أنّ الشهداء الذين استشهدوا إن لم تكن نيتهم الجهاد في سبيل الله، بل الجهاد في سبيل الوطن لا يعدّون شهداء مما أثار ضده عاصفة من الانتقادات أدت بسحب كتابه من المكتبات. ومع التعددية، عادت جمعية العلماء إلى الحياة إلا أنّ عودتها كانت باهتة، وظهر رجالها دون التحديات التي عرفها المجتمع، فلم تتمكن من جلب الشباب لها، وأخفقت في إنتاج خطاب ينافس الوهابية أو السلفية الخليجية أو السلفية الجهادية، بحيث لم تتمكن جريدتها من سحب أكثر من خمسة آلاف نسخة، كما فشلت في إنجاب رجال دين حقيقيين، بل أعطت لنا إيديولوجيين اختاروا السير على نهج الدعاة المشارقة، لكن مع فارق كبير في التأثير، اعتمدوا على الخطاب السطحي والتقليدي والبائس المحشو بالشعارات والجمل الجوفاء العقيمة،
ومن هنا على النخبة الدينية الجديدة إن كانت موجودة أصلا أن تفكر كيف تتجاوز هذا المأزق وإلا بقينا لوقت طويل تحت الاحتلال الوهابي، في حين يسعى السعوديون اليوم إلى القيام بمراجعات لبنية الخطاب الوهابي الذي أكل عليه الدهر وشرب.