لم يدخل أبي – رحمه الله - المدارس القرآنية ولا مدارس جمعية العلماء المسلمين ولا حتى مدارس التعليم الأصيل أو التعليم الحر، دخل المدرسة الفرنسية وتعلم لغتها، لكن الحليب الذي رضعه وهو صغيرٌ، كان ينمي فيه حب الوطن، تماما مثلما كانت تنمو عظامه الطرية وعضلاته اليافعة. لم يكن والدي يعرف حرفا واحدا باللغة العربية، لا كتابة ولا قراءة، لكنه كان يقسّم راتبه الهزيل بين كتبنا العربية وأفواهنا. كان يقرأ ويكتب باللغة الفرنسية ويجلب لنا كل ما نطلبه من الكتب باللغة العربية. ومثله كانت أمي – رحمها الله - لا تفقه شيئا في اللغة العربية، وظلت تصلي باستخدام "الشرابية" في حفظ الآيات القرآنية الصغيرة. كان أبي وأمي ينتقمان من فرنسا بطريقتهما، ينطقان الحرف العربي مكتوبا باللغة الفرنسية، هكذا تمكنا من حفظ الفاتحة والصمد والناس والفلق، وكانت هذه الآيات القرآنية القصيرة في نظرهما، بمثابة القرآن كله.
الأسابيع القليلة التي قضتها أمي بإحدى مدارس محو الأمية القريبة من بيتها بحي باب الوادي، لم تشفع لها في قراءة حرفين متتابعين باللغة العربية، أحلامها كبيرة وصبرها قليل، كانت تحلم في تعلم اللغة العربية ليس لقراءة أشعارنا العربية ومعلقاتنا السبع، ولا لقراءة رواياتنا العربية وقصصنا، أو لقراءة كشوفاتنا المدرسية أو كراريسنا، كانت تحلم في تعلم اللغة العربية للاستمتاع بقراءة بعض السور القرآنية باللغة العربية وكفى. اشتاقت أمي طيلة عمرها الجميل معنا لحمل المصحف الشريف، هي لم تكن تحمله سوى لتقبيله أو التبرك به. لم تكن أمي وأبي وحدهما في مصابهما، مصاب الهوية، كانا مثل الكثير من الجزائريين، ممن راحوا ضحية المجزرة التي ارتكبها ساسة فرنسا وجنرالاتها في حق الشخصية الجزائرية، هي لم تكتف بسياسة فرّق تسد، ولا سياسة الأرض المحروقة، مارست فرنسا الحرق في الانتماء واللسان والفكر والوجود الجزائري، ومارست الميز بين الحرف الفرنسي والحرف العربي. مسكينة أمي.. لم تهد يوما قرآنا لروح أبي بعد رحيله.. هي لا تقرأ.. حرمتها فرنسا حسدا من قراءة القرآن الكريم.. ماذا لو مكّنت فرنسا الجزائريين كل الجزائريين من التعلم بلغتهم.. وبالتالي قراءة قرآنهم.. فرنسا حاربت اللغة العربية لأنها الطريق إلى قراءة القرآن، الطريق إلى الشهادة، كانت ترى في القرآن حتفها، كانت تراه سلاحا لم تنتجه مصانعها، وقوة لا تقدر عليها جيوشها.
هكذا كان إسلام أبي وأمي، الإسلام الذي ظل يوحدنا في أوج محاولات التفريق والتمزيق زمن الاستدمار الفرنسي، هو نفسه الإسلام الذي واجه به الجزائريون، غالبية الجزائريين، جماعات الموت وشاربي الدماء وممزقي بطون الحوامل زمن العشرية السوداء، هو نفسه الإسلام الذي لم يجعل الأخ يقتل أخاه والابن يقتل أمه، والأخت تجبر على ارتداء الحجاب أو الجلباب، فترتكب به ما لا ترتكبه السافرة من زلات، فتصّدر صورة سيئة عن إسلامها، بعدما صار الإسلام الذي لا يشبهنا خمارا بلا أخلاق ولا قيم، هو نفسه الإسلام الذي جعل الجزائريين بعد 130 سنة من الاستدمار الفرنسي، يخرجون من حقبة استعمارية، اللغة العربية في يد، والإسلام في يد أخرى، وغيرهم من الأمم، كان قد ضيّع لسانه ودينه، من فرط سياسات التهجين والتدجين والمسخ، اعتقدت فرنسا (بلاهة) أن بمقدورها تحويل الجزائريين إلى كائنات بلا ملّة ولا هوية، فخرجت فرنسا خاسئة، وما تزال الجزائر إلى اليوم ترمّم بقايا إنجازها التاريخي، تمسّك مواطنيها بلسانهم ودينهم، وكان ذلك أكبر انتصاراتها.

إسلام أبي وأمي، هو الإسلام الذي زرع قيمه الفاضلة فقهاء الجزائر ومشايخها، فقهاء المالكية، اسألوا عنهم، ابحثوا عن أسمائهم، افتحوا كتبهم واقرأوا مُتُنَهم، وستجدون أنهم قامات صرنا لا نعتد بها، ونهرول لطلب فتاوى غيرها، دون مراعاة لخصوصية المجتمع ومرجعيته. إنهم المشايخ الذين تربينا على الدين السمح الذي شربنا من حليبه ونحن صغار وكبرنا على قيمه، ولم يكن بيننا مكان لأفكار ومذاهب ونحل وعقائد، شيعة وأحمدية ووهابية، صارت تعشش بيننا اليوم، باسم ولاءات خارج الوطن، وتشّوش على إسلام الجزائر، الذي تعايش في ظله الإباضيون والشعانبة، والأمازيغ والعرب، كل هذه السنين، دون إراقة قطرة دم واحدة.
إسلام أبي وأمي، هو الإسلام الذي ظل يجمع داخل الأسرة الواحدة الإخوة وهم مختلفون عن بعضهم البعض في كل شيء، هو الإسلام الذي علّمنا أن نحترم الآخر المختلف عناّ دون أن ننصّب له المحاكم والمشانق، ولهذا السبب عندما دخل إسلام النحل والطوائف والعقائد بيتنا الكبير، أي وطننا، وتعددت منابر الجمعة، وبعضها صار يمارس في الخفاء، بتنا نخاف على أمننا الديني، وصرنا نتوجس خيفة من زمن آت قد لا يعرف فيه أبناؤنا أي إسلام يتبعون، وأي مسجد يدخلون؟ وأي إمام يصلون خلفه؟ زمن سيكون أفظع من زمن الدم ورائحة الموت الذي عشناه نحن عندما تراشق أبناء هذا الوطن بالرصاص من أجل مقاعد في البرلمان ومكاتب في المرادية وقصر الدكتور سعدان، وجميعهم شرب من كأس واحدة، إسلام هذا البلد، فكيف إذا تعددت الكؤوس والرؤوس والمشارب؟!