كنت في شوارع العاصمة عندما اندلعت شرارة أكتوبر، جلت من القبة إلى ساحة الشهداء، ومن ساحة الشهداء إلى زيغوت، إلى بن مهيدي، إلى ديدوش، إلى ساحة أول ماي، كنت في قلب المسيرات الصاخبة وهي تنادي بذهاب بن جديد ومساعدية، كنت في بلكور عندما انطلقت مسيرة إلى باب الوادي، ولم يكن يفصل بيني وبين علي بن حاج وهو في المقدمة في "الشومانيف" سوى أمتار، ثم كنت رفقة مجموعة من الصحفيين لا يتجاوز عددها العشرين في العاشر من أكتوبر عندما حررنا بيانا يدين تعذيب الأطفال ونشره مراسل وكالة الأنباء الفرنسية، عابد شارف، في كل صالات التحرير في العالم، وفي المساء كنت في بيت خالتي الساكنة بالطابق الثالث عشر بـ"الشومانيف" اتفرج على التلفزيون عندما ظهر الشاذلي مصفر الوجه وهو يستجدي الشعب ويعلن عن إصلاحات سياسية عميقة مكملة للإصلاحات الاقتصادية التي باشرها من قبل، وفي تلك الأيام رأيت ماذا تعني انتفاضة غيرت من حياة الجزائريين، ودفعت بالحكم أن يتراجع عن غطرسته، وأعادت للجزائريين برغم الشطط ثقتهم في أنفسهم بأنهم قادرون أن يصنعوا قدرهم بأيديهم، وبفضل الانتفاضة عاش الجزائريون تعدديتهم الإعلامية، واستنشقوا نسيم الحرية، واكتشفوا بداية تعدديتهم السياسية، لكن بدا التوجه خطرا حقيقيا على المصالح، فبدأ التخطيط للثورة المضادة، حتى ولو بتفجير حرب أهلية وظف فيها الدين واستعملت فيها الوطنية، وضربت إرادة الجزائري في الصميم، وبدأت الثورة بالتشكيك في أكتوبر وتجريمه، لنمهد الطريق باسم الشعار الماكر "نولي كيما بكري" الذي انخدع به الجزائريون وهم يتناولون من عشريتين تقريبا السم في العسل، فماذا يعني "نولي كيما بكري؟!".. ألا يعني التخلص من التعددية الحقيقية والعودة إلى الأحادية؟ ألا يعني التخلص من التعددية الإعلامية والتباهي بتعددية الواجهة؟! ألا يعني التخلص من تعددية متنامية والاحتفاظ بتعددية حزبية مثيرة للضحك والسخرية؟! لم يستحق أكتوبر برغم خمسمائة شهيد أن يخلد ولو بيوم ذكرى، كأنه دخيل، طفل لقيط، نخجل منه ونسعى دائما للتنكر له، هم تناسوه ويريدون منا نسيانه، والآن هل فهمتم القصة أو الحدوتة مثلما يقول إخواننا في مصر؟!