وحين نمعن النظر في موضوع التدريس بالعامية، نجد أن أطروحة ما سبق ذكرهم من المستشرقين والمبشرين وفرنسا الاستعمارية تتفق تماما مع ذات الأطروحة التي أصبح ينادي بها دعاة العامية من مسئولي وزارة التربية.
وكأن وزارة التربية عندنا أصبحت مؤسسة تنفيذية لآراء المستشرقين والمبشرين والكولونياليين في الدوائر الاستعمارية. فهذه الدعوة من الوزارة – ربما على غير قصد- هو إحياء لمشروع استعماري قديم فشل يومذاك في تحقيقه بسبب معارضة المثقفين والسياسيين له.
يقول دعاة العامية في الجزائر : إن الفصحى هي لغة أجنبية عن الطفل وهذا هو الطرح الذي كان ينادي به الاستعمار والاندماجيون..من أجل التضييق على اللغة العربية. وهي سبب تقهقر التعليم في البلاد. لمغالطة البسطاء من الناس ممن ليس لهم حظ وافر في التعلم. لإدراك مقاصدهم المبيتة. ولست أدري لِمَ لمْ يطلقوا هذا التوصيف ضعف التلاميذ البيّن في اللغة الفرنسية التي وصلت إلى الحد الأدنى من معايير التعلم.ولم يصفوها بأنها لغة أجنبية وبأن نتائجها وصلت إلى درجات الخطورة.
لقد فاجأتنا الوزيرة ومن يقف وراءها، بهذا الاكتشاف الخارق للعادة، والذي لم تكتشفه الصين واليابان والفيتنام والكوريتان والهند ذوات اللغات المعقدة واللهجات الكثيرة. ودول عربية كبرى كالسعودية والعراق وسوريا ومصر والسودان واليمن والمغرب. واكتشفه خبراء الصالونات المتفرنسون المستوردون من فرنسا والسنغال والذين لا يعرف الشعب وجهاتهم، ومن على شاكلتهم من الخبراء غير المعروفين في وزارة التربية.
وقد قضينا أربعين سنة تدريسا وإشرافا وكتابة، ولم نسمع بهم البتة.ثم يدلي أحد مسئوليها بتصريح يدعم به فكرة الوزارة. وبأن اللسانيات التي يجهلها رجال التربية - حسب زعمه- تدعو إلى التدريس بالعامية وهذا تجن على الحقيقة السيميائية التي يتفاخر بها هذا المسئول على رجال التربية ممن يعتقد أنهم لا يعرفونها.
فالسيميائية يا حضرة المسئول المبجل، ليس من وظائفها البحث في تعليمية المواد وبيداغوجيتها بطريقة مباشرة ومقننة، فهي من حيث دراستها التحليلية للنص الأدبي إنما تُعنى بالبنى التركيبية والدلالية والتوليدية للصوت والكلمة والجملة، وتدرس النص الأدبي من جميع جوانبه . وتغوص في أعماقه كيما تكتشف مدلولاته المحتملة مع محاولة ربط النص بالواقع الفكري والخيالي للمتلقي. وما يمكن الاستفادة منه وأخذ العبرة من طريق الدلالة الرمزية المباشرة وغير المباشرة.
وقد أول هذا المسئول معنى ربط النص بالواقع تأويلا خاطئا، حيث ربط ذلك الواقع بالعامية.. واللهجات المحلية ( لغة الشارع) لا تصلح إلا للتواصل العادي فيما بين الناس لقضاء حاجاتهم اليومية. أما المعاني العلمية والفنية الراقية والعميقة ، لا يعبر عنها إلا بقاموس الفصحى الثري بالمفردات والعبارات والصيغ الفنية المدبجة.
واتهام الطفل بالضعف في استيعاب الفصحى في السنوات الأولى . يعطي الانطباع بانعدام الخبرة والاطلاع الواسع على علوم التربية( التعليمية العامة والخاصة واستراتجيات التدريس ونظريات التعلم والذكاء اللغوي، وارتباطه الوثيق برفع مستوى معايير التعلم ونظم التقويم ومعايير القياس). لهؤلاء المسئولين الذين أسندت إليهم مهمة تسيير وزارة بحجم وزارة التربية. والتلميذ حسبما ذهب إليه ( ألان، وشومسكي وبياجي...) يتمتع بقدرات الامتياز والتفوق في كل شيء, وحسب رأيهم، فإن من يتهم التلميذ بالضعف والغباء، يكون على غير علم بسيكولوجية الطفل وقدراته ومهاراته الطبيعية، وقد يسقط المرء الشعور عل ذاته، فيستعمل المنهج الإسقاطي في تحليل الظواهر التربوية والنفسية ( وهو منهج يستعمل لإسقاط الشعور على الذات لاستبطان مشاعر الآخرين) وقد يجانبه الصواب في تقدير عواطف الناس وقدراتهم.
وتأخر التلميذ دراسيا في أي نشاط تربوي، إنما يعود إلى عوامل خارجة عن ذاته. قد تتعلق بالبيئة المدرسية ضمن نسقها العام، أو بمشكلات أسرية طارئة، كاليتم والطلاق والزواج على الأم وعسر الحالة الاقتصادية ... وعلماء التربية والسيكولوجيا، كلهم متفقون على تفوق قدرات الطفل السويالعادي، ولاسيما العقلانيين من أصحاب المدرسة البنائية،أصحاب مقاربة التدريس بالكفاءات. وفي جميع المدارس يجمعون على أن الطفل مزود طبيعيا، بقدرات خارقة تجعله يتلقى كل الرسائل والإشارات بكفاءة عالية، إذا توفرت الشروط التربوية والنفسية في البيئة المدرسية. وتنمية المهارات العقلية واللغوية والحس/حركية تكون بالممارسة والتدريب والتعزيز.
وهذه الآراء الموثقة لهؤلاء العلماء في مصادرها، ليست آراء انطباعية على غرار السرديات الحميمية، ممن تعود على ترديدها أصحاب الفضاء الفرانكفوني من الإعلاميين والسياسيين، والتي قالوا فيها: بأنهم استقوها من الخبراء المستوردين من فرنسا والسينغال وبعض مسيحيي لبنان. وهي المقولات التي لم نسمع بها في باقي دول العالم. فكانت استثناء لا يتردد إلا في قاموس الفضاء الفرانكفوني في المغرب العربي ومصر ولبنان..ممن تعاني مشكلات الهوية والانتماء.
وقدرات الطفل الخارقة على التعلم، هي نظريات تربوية ونفسية معروفة لدى من لهم علم بالنظريات الشهيرة، التي توصل إليها أكابر علماء التربية ضمن مدارس كبرى وشهيرة، كالمدرسة السلوكية والعقلانية اللتين كان لهما باع كبير، في السيطرة على النظم التربوية في العالم كله.
فالمدرسة التقليدية،( ما قبل تأسيس مدارس علم النفس الشهيرة التي انبثقت عنها سيكولوجية التعلم الحديثة، والتي مازال يفكر بمبادئها بعض المسئولين والإعلاميين عندنا)، هي التي كانت تصف الطفل بالقصور, والعجز والضعف، وأنه ليست له ميول واتجاهات ورغبات ودوافع، لأنه صفحة بيضاء خالية من التجارب والخبرات. لذلك كانت تفرض عليه أنماطا من السلوك والخبرات، تتضمنها المناهج والبرامج والطرائق القديمة.
لذلك كانت لا تستجيب لقدراته ورغباته وميوله. وخبراء التربية الذين اقترحوا التدريس بالعامية ، إما أنهم أصحاب أجندة معينة ندبتهم جهات ما عن طريق وزارة التربية، لتنفيذ خدمات جليلة للغة الفرنسية على المديين المتوسط والبعيد، أو أنهم ما فتئوا يفكرون بالعقلية التقليدية التي تحتقر الطفل وتزدريه. وإلا كيف نفسر دعوتهم إلى التدريس بلغة الشارع التي تفتقر إلى الإبداعية في التعبير والتصوير؟!!
وحسب تجاربنا الطويلة في هذا الميدان، تدريسا وإشرافا وكتابة، فقد ألفينا الأطفال في السنة الأولى يستوعبون الدلالات المفاهيمية و الرمزية و التحليلية، و التركيبية لبنى الأصوات والكلمات والعبارات والصيغ.( في القراءة الإجمالية والتحليلية والتركيبية والصور الرمزية في العبير التواصلي، والصور الرمزية للأصوات ذات الدلالات المختلفة في الكتابة). يستوعبون ذلك، بمهارات عالية واقتدار كبير.
والطرق الإجمالية والتحليلية والتركيبية، هي طريقة ثورية،( خلافا للطرقة الحرفية والصوتية) في تعليم القراءة للمبتدئين. فهي أحدث ما وصلت إليه عبقرية السيكوبيداغوجيا، عبر نظريات التعلم الشهيرة في عالمنا اليوم. ولا يوجد غيرها لا في أمريكا، ولا في أوروبا ولا في غيرهما. وهي أهم عنصر في المقاربة البنائية التي تعتمد الظواهر اللغوية ذات المقاربة النصية،( اللغة الكتابية المتأنقة بالألفاظ الفنية في تصوير المعاني والأخيلة) وفق أحد النظريات. لبياجي ودواز وشومسكي. وهي أحدث نظرية في الديداكتيك التعليمية العامة والخاصىة وهذه المقاربة التربوية، هي المعتمدة في تعليم اللغات للأطفال الصغار في العالم. وهذا هو المعتمد في مناهج الابتدائي عندنا. فماذا يريد هؤلاء الخبراء من وراء ذلك؟ !!
ورجال التربية وخبراؤها، ممن لهم إطلاع واسع على المدارس الفكرية والنفسية، وعلى النماذج التعليمية، وفلسفة التربية وتعليمية المواد. وأسس بناء المناهج، ونظم التقويم ومعايير القياس، والقواعد النسقية لتعلم اللغات، ممن اختبروا هذه الحقائق، ووقفوا على كنهها وصعوباتها وعوائقها، هم وحدهم من يحق لهم أبداء الرأي في هذه المشكلات. وليس من درس عاما أو عامين بغير هدى .
وسمح لنفسه بإدلاء آرائه الخاطئة، بغير علم في الجرائد لينال المثوبة ممن كان يقصدهم..وكذلك ليس من حق الإعلاميين أن يحرجوا أنفسهم بالتحليل الذاتي، عن مقاربات تربوية معقدة، لا تدخل في نطاق اختصاصهم.
والذكاء اللغوي أو اللفظي الراقي،الفصيح هو الذي يستدعي الصور المعنوية الراقية في الذهن.حسبما ذهب إليه علماء المدرسة الترابطية وعلى رأسهم أرسطو.
وليس العامية الغبية التي ليست لغة إبداعية. وحسب إحصائيات قام بها علماء اللغة، اعتمادا على القواميس والمعاجم في الدول التي تهتم جامعاتها بالبحث، فإن القاموس اللغوي للهجات العامية في العالم العربي لا تتجاوز ثلاث آلاف كلمة في الوطن الواحد. والطفل في سن التمدرس يعي حوالي ألفين وخمسمائة كلمة فقط في قاموسه العامي. وهو قاموس منحدر من الفصيح، فقد خصائصه الإعرابية والصرفية والدلالية. وبعضه دخيل من الفرنسية، ودور المدرسة يبدأ بتصحيح هذه الكلمات بطريقة غير مباشرة، مثل قول الطفل عند التعبير عن وضعية أثارته: هاذا كارطابل، فيقال له: نعم هذه محفظة. فيلتقط مدلول الإشارة بسرعة فائقة، ويردد الأطفال ذلك على مسامع بعضهم البعض. وكقوله: هاذي طومبيل، فيقال له: نعم هذه سيارة ...يحدث هذا بالتدرج وبدون حشو وهكذا .
بينما الطفل في الولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيما عند الطبقات العليا، يكون لديه في هذه السن أثنا عشر ألف كلمة بالفصيح الانجليزي. ولكم أن تتصوروا فوارق محصلات التعلم ونواتجه، عندنا وعندهم، فالذكاء اللغوي أو اللفظي الفصيح، هو قاعدة التعلم الجيد.
والعامية فقيرة من الرموز الدلالية، لأنها غير مقعدة، وكذلك من الترادف والمعاني العميقة، والأساليب الفنية الراقية، والعبارات المجازية بدلالاتها المختلفة. والفصحى بنظامها النحوي والصرفي والبلاغي، وبثراء قاموسها وإبداعيتها وقدرتها التوليدية، هي التي تشكل اللحمة الأساسية في الشبكة الدماغية، عبر قنوات عصبية تنمي العمليات العقلية العليا، كالخيال والتصور والتفكير والتذكر والانتباه والإدراك. أنظروا إلى الأدباء وكتاب السيناريوهات في العالم المتطور أو الناشئ، كيف يكتبون سيناريوهات بمائتي حلقة وأكثر. على حين كتاب السيناريوهات بالعامية في العالم العربي، لا يقدرون على أكثر من ثلاثين حلقة في أحسن الأحوال. وفي الجزائر لا تتجاوز عشرين حلقة في القليل النادر. بسبب ضعف الخيال والإبداعية اللذين من عوامل بلادتهما، التفكير بالعامية ذات القصور الدلالي والخيالي.
وحسب بعض الإحصائيات القاموسية والمعجمية، لأربع لغات كبرى فان العربية تتسع لأكثر من 12300000مليون كلمة. والانجليزية 600000ألف كلمة. والفرنسية 150000 ألف كلمة. والروسية 130000 ألف كلمة.
هكذا أراد هؤلاء الخبراء الذين استوردتهم الجهات الرسمية من فرنسا والسنغال، أن يستبدلوا اثنا عشر مليون كلمة من الفصيح الراقي، بثلاث آلاف كلمة من العامية على المدى القريب، وبمائة وخمسين ألف كلمة من الفرنسية على المدى المتوسط والبعيد. وهذه هي الغاية النهائية التي يرومونها. أما الأمازيغية المسكينة فهي مغلوبة على أمرها، وهم يزايدون بها من أجل التمكين للفرنسية فقط.
وبعد خمسين سنة أخرى، حينما يصل العالم إلى ذروة المجد بتطوره وارتقائه نحو الكمال، تكون الجزائر قد دمروها لغويا وثقافيا وعلميا. كما دمروها اقتصاديا واجتماعيا خلال الخمسين سنة من الاستقلال. وتصبح هذه الفرنسية المستعمر العقلي الجديد، التي يمكنون لها اليوم في الجزائر بنية حسنة أو غير حسنة، لهجة شوارع وأزقة، يستذكرها المسنون من الشيوخ والعجائز في فرنسا، ومجالها الحيوي في الفضاء الفرانكفوني، يستذكرونها في في ألم وحسرة، حين يصبحون، ويبكون على مجدها وعظمتها حين يمسون في أماكن لهوهم وسمرهم؟!!
لأن الانجليزية اللغة العالمية والعلمية الذائعة الصيت والشهرة، تكون قد اكتسحت العالم، وسيطرت على الجامعات ومراكز البحث والاستشراف في فرنسا. وحينها نعود إلى نقطة الصفر ثقافيا ولغويا. كما عدنا في النظام الاقتصادي. حيث انقلبوا على الاشتراكية التي كانوا يتغنون بعبقريتها وسحرها ورونقها بالأمس القريب، وتبنوا اللبرالية الطاغية، التي كان حكام اليوم يصفونها بالامبريالية المتوحشة، وسنرتب حينها في التصنيف الدولي بأننا شعب ضال وبلا هوية.
وبهذه السياسة المنتهجة، ستغلق الصحف المعربة بعد جيلين أو ثلاثة جرائدها وقنواتها،لأنها لا تجد من يقرؤها فضلا عن فهمها.
يتبع