وأنا أتصفح ألبوم صور الكوميديان الكبير حسان الحسني- بصحبة نجليه الفاروق والشريف وشقيقه عمّي محمد- اكتشفت الكثير من فصول سيرته المُغيّبة والمخفية والمسكوت عنها، ومنها على الخصوص الصُّور المهرّبة من داخل السجون والمحتشدات، حيث كان يبدو فيها شامخا ومبتسما ومحاطا بالمعتقلين من كلّ الأعمار والمهن والحرف. وهي صور بحاجة إلى قراءة تاريخية وسيميولوجية لإعادة رصد وتركيب يوميات هذا الفنّان داخل الدهاليز. وقد عرف الرّجل السجون قبل الثورة التحريرية، أي منذ كان شابا يدير سينما "ريكس" بمدينة البرواقية، ويمتهن الحلاقة، فقد اكتشف البوليس الفرنسي السرّي أنذاك ان هذا الجنتلمان " أبو فراشة " -الذي يضع ربطة عنق في شكل فراشة- رجل يخفي في قلبه حقدا دفينا تجاه كل ما هو فرنسي، وينشط ضمن حركات وطنية وخلايا سرية، وظيفتها نشر ورسم صور سوداء عن فرنسا، وبث الوعي بالظلم والحقرة في مفاصل الأنديجان، وهكذا فُتحت شهية المعتقلات والسجون لاستقباله، ومنها محتشد "سان لو" الواقع ببطيوة بأرزيو غرب وهران حيث التقى فيه بالشاعر الكبير محمد الأخضر السائحي، الشهير بديوانه " همسات وصرخات"، والمعروف بحسّه الفكاهي وخفّة دمه، وشاءت المقادير أيضا أن يصادف في سنة 1956 في العنبر نفسه في محتشد "بوسي" بالضاية جنوب سيدي بلعباس الشاعر والأديب والخطيب أحمد سحنون، و الطبيب الباحث أحمد عروة. وممّا يُروى أن سي حسان كان يتفوق على أحمد سحنون في عدد الحضور في نشاطيهما، حيث كان أغلب المعتقلين يتابعون سكاتشات سي حسان العفوية والارتجالية-على حساب مواعظ الشيخ سحنون- التي كان يؤديها بأكسيسوارات بسيطة تتمثل في طاولة مهترئة ومرميطة وقزديرة وقاميلة، وكان في أكثرالتمثيليات يلبس سروال جينز وحذاء من نوع " بانتوفل"، ويضع على رأسه قبعة " شابو" ولم تكن تفارقه نظارته الدائرية الشكل. كما تشرّف مُمثلنا بالدخول إلى سجن الجنان ببشار، وعاش المرّ في سركاجي بالعاصمة، وكان يؤكد دائما لمقرّبيه أن المدرسة الرسمية الوحيدة التى تابع فيها دروسه هي المدرسة الابتدائية ببوغار، والمُسمّاة حاليا بمدرسة الإخوة قريشي، وباقي المدارس التي تعلّم فيها فن الحياة هي مدارس المحتشدات والسجون، والمدرسة الكبرى بالنسبة إليه هي مدرسة الشعب الزوالي، وأجمل ركح مثّل فيه هي الطحطاحة على ضوء الشموع، وبذلك استحق هذا الرجل الفنان المناضل لقب فنّان الشعب بكلّ جدارة واستحقاق...يتبع