أي شجاعة وأي قوة جعلت وزير التجارة بختي بلعايب يخرج عن صمته ليكشف أن "المافيا" أكبر منه ومن قطاعه، عندما راحت تضرب عرض الحائط بقراراته وتخرج من الميناء ما أوعز هو بمنع وصوله إلى السوق لأنه خطر على حياة الجزائريين؟
لا شك إنه الضمير الحي الذي ظننا يوما أنه صار عملة نادرة وسط الوزراء وكبار موظفي الدولة ومسؤولي كبريات الإدارات الحكومية بعدما (طلعت) من مضاجع بعضهم روائح الفساد وسرقة المال العام وفضائح التزوير. بختي بلعايب ليس من طينة هؤلاء، والصورة التي ظهر بها الرجل وهو يكشف للصحافة ما فعلت "المافيا" في قطاعه جعلتني أشعر فجأة بالضعف، وبأن (ظهري) عارية، تماما كما اليتيم، ومثلي ظهر بلعايب أمام الجزائريين كما "اليتيم" الذي يشكو ضعفه وقلة حاله، كيف لوزير يعيّنه رئيس الدولة راع لشؤون الجزائريين في القطاع الذي يقوده، يخرج أمام الجزائريين (يقّص) ما فعلت فيه وبه (المافيا)!
لا السلطة القضائية ممثلة في النيابة العامة سارعت إلى فتح تحقيق فيما (ادعى) الوزير، ولا الشارع (الشعب مصدر السلطة) ساند الوزير بأن خرج إلى الساحات يعلن بملء الفم "إنا معك يا بلعايب"، ولهذا السبب لم يعد بلعياب يتيما، بالمعنى اللغوي للكلمة، أي وحيدا أو منفردا، فهو في موضع من فقد أباه وأمه، أي لطيم، لأن بأسه أشّد، واللطم في اللغة هو ضرب الخد والوجه حتى تتضح الحمرة، هكذا يقول البلاغيون، لعمق الجرح وشدة الحسرة، ويدرك بلعايب أنه ماض إلى لطم خديه وحيدا في بيته، كما كان حال عشرات الذين امتلكوا الشجاعة للتبليغ عن المفسدين والمافيا، ولا داعي لذكر الأسماء، فكان مصيرهم الإبعاد أو السجن.
وقصة (المافيا) في الجزائر، تماما كما قصة من يحكم حقيقة؟ الكل يشير إليهما لكن لا أحد يعرفهما، وتشبه المافيا التي يتحدث عنها بختي بلعايب، (الجهات) التي لم يحددها أحمد أويحيى، مدير ديوان الرئاسة، عندما قال قبل أيام فقط، إنها تمتلك إقامات وحسابات بنكية بجميع أنحاء العالم، لها أرجلا هنا وأخرى في الخارج، وتتخذ من الجزائر مصدرا لجواز السفر والإقامة، من تكون هذه الجهات؟ لا يكشف عنها أويحيى طبعا، لكنها لا شك (مافيا) من نوع آخر، ولا النيابة العامة تتحرك، ولا أصحاب الضمائر الحية، ولا الشارع، وكان قبل ذلك بكثير، وتحديدا في أكتوبر 2012، وفي تصريح غير مسبوق قال إنه عجز عن حلّ الكثير من المشاكل بسبب الفساد والرشوة عندما كان وزيرا أول قبل التعديل الحكومي الذي استبعده آنذاك نهائيا من الحكم.
وليس وحده بختي بلعايب من فعل هذا، فزميله في الحكومة وزير السياحة والتهيئة العمرانية والصناعة التقليدية، عبد الوهاب نوري، فجّر قبله بأسابيع فقط فضيحة من العيار الثقيل تتعلق بتوزيع أراض بطرق مشبوهة وغير شرعية بحظيرة "دنيا بارك" بالعاصمة، لكن الفرق بين الرجلين أن الأخير مارس صلاحياته في الرقابة على قطاعه بأن سارع إلى إقالة مدير الحظيرة، فيما ظهر الأول أي بختي بلعايب، عندما قرر (رمي) الفضيحة إلى وسائل الإعلام، شاحب الوجه، منهك القوى، كمن يفرّ من قسورة، تسبقه دهشته مما سمع ورأى، في صورة أكدت أن الوزير تعرض إلى (الحڤرة)، نعم ليس المواطنون وحدهم من يتعرضون لـ (الحڤرة)، الوزراء أيضا وبعض كبار الموظفين في الدولة، حڤرة تمارسها (مافيا) لا نعرف هويتها، فقط نسمع عن جبروتها في المطارات والموانئ والحدود وفي مواقع حساسة في الدولة.
اكتفى بختي بلعايب بتفجير (فضيحته)، نعم فضيحته، لأن الحاويات التي أوعز بأن لا تغادر الميناء، خرجت رغم أنفه، وسنقتنيها أنا وأنت ونحن، في حال تعطلت سياراتنا، وربما ظل الموت يتهددنا في كل منعرج وتقاطع، لأن المواد التي كانت بداخل الحاويات، قطع غيار فاسدة، مغشوشة، وغير مطابقة، فكيف يسمح بإخراجها من الميناء ومن سمح بذلك؟
وإن أغلق وزير السياحة عبد الوهاب نوري ملف "دنيا بارك" بطريقته الخاصة، أي إنهاء مهام مدير الحظيرة، فإن بلعايب يواجه مصيبة ثلاثية، فهو لم يتمكن من إقالة أحد، والجهات التي تسمح بخروج أو دخول الحاويات في الميناء لا تتبع قطاعه وحده، فهي تتوزع ما بين الجمارك والشرطة، فلماذا تكلم وحده؟ ولماذا خرس الآخرون؟ بمن فيهم الوزير الأول عبد المالك سلال ووزيره للعدل طيب لوح، اللذان اكتفيا بتنبيه زميليهما في الحكومة بأن توقفا عن الكلام وقدما أدلتكما للعدالة واخرسا! لا شك سيكون بلعايب أول الراحلين في التعديل الحكومي المرتقب، ولهذا السبب راح الوزير يسابق (فاجعته) بأن لمح أنه سيغادر القطاع، فهو يعرف حجم الضرر (المعنوي) الذي ألحقه بالدولة ككيان عندما راح يتحدث عن مافيا لا تعير اهتماما لوزير ولا قاض، ويعرف جيدا أن مكانه المقبل، أو موقعه الطبيعي المقبل، سيكون بعيدا عن دواليب الدولة، التي أهانت (المافيا) كيانها، فنبهت وزير التجارة أنها فوقه وفوقها وله كما يقول المثل الشعبي أن "يدير عشرة ويقرص"!