بات الكثير من الجزائريين يشتكون "اختطاف" أغنية الراي من طرف المغرب، وتحول مهرجان وجدة إلى واجهة لهذا الاختطاف الذي أسال و لا يزال الكثير من الحبر، وتزامن مثل هذا الجدال الذي تجاوز حدود البلدين ليصبح مادة إعلامية و سجالية في صحف وقنوات عربية وغير عربية مع تصريحات عدد من نجوم الراي تنتصر للمغرب، مثل تصريحات الشاب خالد الحاصل على الجنسية المغربية حيث شكلت صدمة عند عديد الجزائريين لذلك الولاء الذي أبداه للمغرب وملكه محمد السادس، روجت له وسائل إعلامية مغربية ووسائل الاتصال الاجتماعي مستعملة ذلك في إستراتيجية الحرب الباردة بين الجارين،
لكن لنكن صرحاء مع أنفسنا، هل نلوم المغرب الذي يطبق قاعدة " في الحرب كما في الحرب" ، وخالد وغيره من مغنيي الراي الذين تم احتواءهم في ظل اللامبالاة الجزائرية الرسمية تجاههم أم المسؤولون عندنا الذين لم يفكروا يوما في الترويج لثقافتهم وفنهم من بين ذلك الراي؟!
كيف نقوم بإلقاء اللوم على الآخر ونريد منافسة المغرب في مهرجان وجدة بينما لم لا نمنح لمهرجان الراي بسيدي بلعباس وفي آخر دقيقة ميزانية لا تتجاوز ثلاثمائة مليون جزائري في حين يحظى مهرجان وجدة بميزانية ضخمة من قبل المغرب الرسمي والمعلنين الخواص؟!
هل يجب أن أذكر أن السلطات في الجزائر من وقت بومدين قد أوصدت باب التلفزيون ووسائل الإعلام الحكومية في وجهه لوقت طويل مثلما أوصدتها أمام رموز الأغنية القبائلية الملتزمة مثل معطوب،فرحات و آيت منڤلات ولم يجد لا العناية ولا الرعاية من المؤسسة الثقافية في الجزائر، ولم يتم الاعتراف به إلا بعد أن احتضنته فرنسا في نهاية الثمانينيات بعد مهرجان بوبيني، واهتمام الميديا الباريسية به خلال سنوات الدم الجزائرية وفتحت له باب العالمية حيث تعرف عليه العرب انطلاقا من باريس وليس من الجزائر، وكذلك كان الشأن بالنسبة للڤناوي الذي لم يكن طيلة عقود إلا الازدراء والإهمال من قبل المسؤول الجزائري،
لم تجد الجزائر من يمثلها أيام عزلتها في التسعينيات في الخارج سوى شبان دون دعم من الدولة الجزائرية مثل خالد و مامي و شيخة مثل الريميتي، لم تمنحهم الجزائر الرسمية لا التقدير ولا العناية، إن شهرتهم تعود لجمهورهم وللرعاية الأجنبية، ولقد ماتت نجمة الراي ومؤسسته وهي في الثمانينيات ولم يقم ولا وزير ثقافة جزائري بتكريمها وهي التي استقبلها واحتفى بها مسؤولون كبارا في أوروبا وأشادت بها كبريات وسائل الإعلام في أوروبا وآسيا وأمريكا، لقد ظل المسؤول الجزائري لا يحتقر الراي وحسب بل كل نجوم الفن والثقافة والفكر والرياضة ممن كان يرى فيهم منازعيه ومنافسيه في نجوميته وهيمنته وعظمته، وسلطته وقد يقول لي البعض أن خالد كثيرا ما استقبله مسؤولون جزائريون مرموقون، قد يكون ذلك صحيحا لكن كان استقباله لهم بعد الاعتراف الخارجي، وفي ظل حسابات بائسة من اجل استعماله في لعبة الانتخابات والموالاة ثم رميه مثلما ترمى النفايات، إننا اليوم بدل لوم المغرب الذي احتضن شاعرنا الكبير ومؤلف نص النشيد الوطني مفدي زكريا بعد أن أهانه بومدين، والفيلسوف محمد أركون بعد أن تنكرنا له وحاربناه والناقد الكبير جمال الدين بن شيخ والروائي رشيد ميموني بعد أن تعاملنا معهم باحتقار واستكبار ومؤخرا نجوم الراي، والراي نفسه بعد أن شككنا في أخلاقياته ومستواه بالأمس وأغلقنا في وجهه سبل الارتقاء اليوم، علينا يا دين الله أن ننظر إلى أنفسنا في مرآة الحقيقة ونصارحها بأننا فشلنا كمسؤولين في الحفاظ على ما حبانا به الرازق من ثروات في باطن الأرض وفوق الأرض، وما حبا به الخالق هذا البلد من عقول وقادة فأخمدنا نورها ومواهب خلاقة فأجهضناها وحاصرناها ورجال آرڤازيون فطاردناهم وعتمنا عليهم وشوهنا سمعتهم لنفتح الباب أمام مخلوقات الرداءة وبلادة الحس والموالاة والخنوع والإذعان
أجل أقولها والله شاهد على ما أقول، لهذه الأسباب اختطف المغرب ثروتنا الفنية وطار الراي منا مثلما يطير الرأس من الجسد، فهل يحق علينا أن نبكي مثلما بكى آخر ملوك غرناطة عندما أضاعها،على ما تنازلنا عنه بسبب احتقار الذات واستخفاف من يظن نفسه بأنه قوي الساعة بالآخرين(،وليسوا أي آخرين)؟!