ما يميز الشباب الجزائري عادة هو قوة الشخصية، والكبرياء، فنجدهم قليلا ما يعتذرون لمن أخطأوا في حقهم ظنا منهم أنه ضعف، وبحجة كبريائهم، يلتزمون الصمت مع معرفتهم التامة أنهم على خطأ، إلا أنهم لا يعتذرون، وكما يقال باللهجة العامية "التغنانت"، أي أنهم لا يتنازلون عن موقفهم ولو كلفهم ذلك الكثير، وهو ما اعتبره عدد من المختصين في علم الاجتماع أنه أمر يجب تجاوزه لأن ثقافة الاعتذار تدل على نبل وأخلاق صاحبها وقوة شخصيته ولا توحي بالضعف أبدا.

قد تكون كلمة آسف صعبة على أغلبية الناس، لأنها لا تقال إلا في حالة صدور خطأ من قائلها يستدعي وقوفه أمام الطرف الآخر لقولها، ومن المثير للغرابة أننا في أغلب الأحيان نقول لشخص غريب "أنا آسف" أسهل بكثير من قولها لشخص مقرب ظنا منا بأن الاعتذار لو صدر عنا يعني أننا ضعفاء وغير أكفاء، وهذه من أكثر الأخطاء التي يرتكبها البعض، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الاعتذار بالفعل ضعف؟ أم أنه ينم عن شخصية سوية شجاعة؟ أو أنه صار "إتكيت" نعلمه لأولادنا منذ نعومة أظفارهم؟

ليس ضعفا بل قوة..

للحديث أكثر عن هذا الموضوع نزلنا إلى الشارع الجزائري لاستقصاء آرائهم، اختلفت الآراء وتباينت إلا أن الكثير منهم أكد أن الاعتذار ليس ضعفا وإنما قوة، وفي هذا الشأن يؤكد ربيع أن الاعتذار ليس ضعفا بل هو قوة، لأن الإنسان في طبيعته يكابر ولا يعترف بخطئه، ومن هنا يكون الاعتراف بالخطأ فضيلة، حيث استطرد قائلا: "لقد تعلمنا هذه المقولة في المدارس منذ أن كنا في المرحلة الابتدائية، وتعمقت فينا وانغرست في وجداننا، ومع الأيام صرنا نعي مغزاها أكثر، والتجارب التي نمر بها تؤكد لنا صدقها".
من جهته خليل أكد لنا أن الاعتذار هو ثقافة منعدمة تقريبا في المجتمع الجزائري، حيث قال: "العاقل هو من يستفيد من تجاربه فلا يكرر أخطاءه، فالكمال لله وحده سبحانه وتعالى، ومهما حاول الإنسان أن يتجنب الأخطاء، فإنه يقع في بعضها من دون أن يشعر، ولولاها لما تعلم، وقد قال أجدادنا: "كل صفعة تعلم"، أي كل صفعة من صفعات الزمن يتعلم منها الإنسان درسا قاسيا وتضاف إلى رصيده في بنك تجاربه، والذكي هو الذي لا يكرر الخطأ، واعتذار الرجل لا ينقص من رجولته، بل يزيدها قوة، فلا فرق بين امرأة ورجل، وإذا كان المجتمع ينظر إلى الرجل نظرة تقديس، فإن ديننا ساوى بينهما في الحقوق والواجبات.
أما ريمة فتقول: "عندما يعتذر مني زوجي بسبب مناوشات تصير بيننا فلا أرى ذلك ضعفا أبدا، وإنما يكبر في عيني، وهذا دليل على قوة الشخصية التي يتمتع بها".
من جهته حسام أكد أن الرجل الحقيقي يظهر من خلال مواقفه، والاعتراف بالخطأ فضيلة مهما كان الطرف الآخر، خاصة المرأة لأنها ضعيفة بطبيعتها، واعتذار الرجل لها يحسسها بأهميتها ومكانتها لديه دون أن ينقص ذلك لا من رجولته ولا يضعف شخصيته واختلاف الجنس ليس معيارا للقوة أو عدمها.

نظرة المجتمع..

عادة ما ينظر الجزائري للاعتذار على أنه ضعف، وهذا بحكم التربية والتنشئة الاجتماعية، وفي هذا الشأن ترى صبرينة أن الآراء تتضارب حول نظرة المجتمع للمعتذر ويستند رأي كل طرف إلى تربيته ومجتمعه الضيق، حيث قالت: "نجد أن الشخص ينظر قبل الاعتذار إلى ردة فعل مجتمعه إن كان الخطأ فادحا فيكابر بالمحسوس ويأبى الرضوخ لخصمه، متناسيا شخصيته، لأن الجزء يضرب في الكل، وهناك أناس يحملون هوية الإنسان متعالين على صغائر النظم الاجتماعية متأدبين بالخصومة فلا يبالون بردة فعل المجتمع، لأن صاحب الحق سلطان فما الضرر من تقديم الحق بكلمة.
فالاعتذار كما أسلفنا يفتح صفحة جديدة بين قطبين متناقضين بين زوج وزوجة وأخ وأخيه، إلا أن كان الأخ من سلالة قابيل وكلنا أبناؤه، فهابيل مات وقابيل لم يعتذر فكان الغراب أسمى تصرفا منه.
أما رياض فعبر عن رأيه في الموضوع قائلا: "قبل أن أبدي وجهة نظري في هذا الموضوع، أود أن أبين طريقتي في التعامل مع زوجتي الغالية، أقول إن مبدأ الاعتذار بين الزوجين، بالنسبة لي ربما لا أعتمده كثيرا وإن كان موجودا بيني وبين زوجتي، ولكن ما أحب أن أبينه أني لست حريصا عليه دائما، فالذي أتصوره أن العلاقة بين الزوجين أسمى وأغلى من أن يضع في حسبان كل من الزوجين مبدأ الاعتذار في نصب عينيه، بمعنى أن الرجل إذا أخطأت في حقه تلك الزوجة لابد أن تقدم اعتذارها وإلا فإن العلاقة يشوبها شيء من الغبار، أو العكس من الزوجة تجاه زوجها".
أما رؤوف فعبر عن رأييه قائلا: "في رأيي اعتذار الرجل للمرأة لا يمكن اعتباره ضعفا في الشخصية، فالاعتذار يعبر عن "اعتراف بالخطأ"، والاعتراف بالخطأ يجعل الرجل يكبر في عين المرأة، سواء كانت الأم أو الزوجة أو الصديقة أو الزميلة في العمل أو غيرها، فنفسية الرجل وشهامته وشخصيته لا يمكن قياسها بالاعتذار للمرأة، فكونها من الجنس اللطيف والرجل جنس خشن - إن صح التعبير- لا يعني أن لا نعتذر لها، وهذا معتقد خاطئ يسود في الكثير من المجتمعات، فديننا الحنيف يحث على التسامح والأخوّة ونبذ العنف والتغاضي عن الأخطاء، وليس من يعترف بأنه أخطأ يعني أن شخصيته ضعيفة.
أما عن اعتبار اعتذار الرجل للمرأة قوّة يمكن أن نقول أنها جزء من القوة، وهو ما يقوي العلاقة بين الرّجل والمرأة أيا كانت.
... ولبنات حواء نصيب

من جهتها بنت حواء الجزائرية عبرت عن رأيها في الموضع، وفي هذا الصدد تقول سارة، طالبة جامعية بكلية الحقوق "لا.. أبدا الاعتذار لا ينقص من قدر الرجل، بل على العكس يدل على قوته وقدرته على الاعتراف بخطئه بكل شجاعة وأدب، الاعتذار من أخلاق الكبار فأخلاقهم لا تسمح لهم بالتعدي على حقوق الآخرين بل يبادرون بالاعتذار وتصحيح أخطائهم".
أما مليكة فهي على العكس تماما ترى أن اعتذار الرجل هو ضعف منه، مؤكدة أن الرجل الذي يعتذر لأي امرأة كانت سواء أخته أو زوجته أو ابنته فهو ضعيف في الشخصية، حيث قالت: "الرجل لي يطلب السماح من عند امرأة أنا نشوفو "توتو" ليس إلا..".

أهل الاختصاص..

يقال إن الرجل يعتذر من المرأة في حالتين: إما أن يكون مخطئا أو "تفاديا لشرها"، وفي مثل هذه الحالات يؤكد مختصون في علم النفس والاجتماع أن الاعتذار من المرأة لا يمثل ضعفا بالرجل بل هو ضروري، والاعتذار من المرأة قوة شخصية من الرجل في حال أخطأ في حقها، ولا يمكن اعتباره ضعفا بل احترام للمرأة، وهو عبارة عن شيء ثمين يصدر من رجل حقيقي، يعتبر أن جنس حواء مخلوق رقيق ويجب العامل معه بكل صدق ورقة.