هل حقا يخلط الفرنسيون بين "كفاح الشعب الجزائري والإرهاب المقيت" كما قاله حرفيا مدير ديوان رئاسة الجمهورية أحمد أويحي في ردّه على تصريح "غيون دونوا دو سان مارك" الناطق الرسمي والمدير العام للجمعية الفرنسية لضحايا الإرهاب الذي لا يريد التفريق بين الحركات التحريرية والمنظمات الإرهابية ويضع الجميع في سلة واحدة على أنهم مجرمون وقتلة !!
أي فرنسا يقصد أحمد أويحي ؟ فرنسا الرسمية ؟ أم فرنسا الشعب والمجتمع المدني؟ قد يبدو الاستفهام ساذجا وتفصيلا لا معنى له عندما نعلم أن تصريح الناطق الرسمي باسم الجمعية الفرنسية لضحايا الإرهاب جاء في كلمة افتتاحية لفعالية سنوية تبادر إليها الجمعية تحت رعاية الرئاسة الفرنسية يحضرها الرئيس الفرنسي ومعه نزلاء قصري "الإليزيه" و"ماتينيون" ورؤساء فرنسا السابقين، وقادتها العسكريين، بل يتم توجيه الدعوات إلى المشاركين من داخل فرنسا وخارجها باسم الرئيس الفرنسي، فكيف إذن يشاطر هؤلاء السياسيون، وغالبيتهم يعرف تاريخ الجزائر كما يعرف تاريخ أولاده وأمه وزوجته، وصف "غيون دونوا دو سان مارك" مجاهدي الثورة الجزائرية أنهم "إرهابيون" أي مجرمون وقتلة ومرتزقة ؟ أي (فرنسا) كانت ستعترض على تصريحه، وقبالة "غيون دونوا دو سان مارك" وفي الصفوف الأولى كان يجلس فرانسوا هولاند و نيكولا ساركوزي وجون إيف لودريون و جيرار لونغي، وسوابق هؤلاء معنا نحن الجزائريون سلطة وشعبا تحفظها قصاصات الجرائد !
الحقيقة أن أحمد أويحي، لم يكن أمامه سوى خيار تلك العبارة :" فرنسا تخلط بين كفاح الشعب الجزائري والإرهاب المقيت" ليتحرر من سؤال صحفي قد يسجنه إلى الأبد في حال أجاب بما لا يرضي "الماما فافا" وأبناؤها المخلصين أعلى هرم السلطة وأسفلها ووسطها وفي قاعها !! المصيبة أن الحزب الذي يتزعمه أحمد أويحي سارع إلى إصدار بيان يحاول فيه (إقناع) فرنسا، بعد كل هذا العمر، أن الشهداء والمجاهدين ليسوا إرهابيين، فيقول :"يؤكد التجمع الوطني الديمقراطي بأنّ السيدتين زهرة ظريف وجميلة بوحيرد وجميع المجاهدات والمجاهدين الأشاوس سواء أولئك الذين سقطوا شهداء إبان ثورة الفاتح نوفمبر المظفرة أو الذين لا زالوا على قيد الحياة ليسوا إرهابيين بل هم أبطال كفاح ضد الاستعمار والتعذيب وضد كل الجرائم الأخرى لفرنسا الاستعمارية".

صارت جميلة بوحيرد، وجميلات الجزائر، ومئات المجاهدين وآلاف الشهداء الذين حاربوا فرنسا الاستعمارية إرهابين قد تطالب فرنسا الجزائر يوما بتعويضها عن الجرائم التي اقترفها هؤلاء في حق الفرنسيين الذين احتلوا سكنات الجزائريين وتجولوا في شوارعها وصادروا أراضي فلاحيها وأحرقوا قراها واغتصبوا نسائها، وبعدها بإمكان مشروع قانون تجريم الإستعمار الفرنسي أن ينام (قرير العين) زيادة داخل أدراج البرلمان الجزائري والذي أريد له أن يكون منذ 2007 ردا جزائريا على قانون تمجيد الإستعمار الذي صادقت عليه الجمعية الفرنسية في فيفري 2006.

لم تكترث فرنسا طيلة عشرية النار والدم بالجزائريين العزل، قتل منهم ما يزيد عن 200 ألف، فرنسا تبكي في مؤتمر الجمعية الفرنسية لضحايا الإرهاب مقتل 230 فرنسيا في الفترة الممتدة من نوفمبر2015 إلى جويلية 2016 وكانت الجزائر تبكي عقب كل مجزرة جماعية 300 إلى 400 جزائري مذبوح من الوريد إلى الوريد في اليوم الواحد ! لم تكترث فرنسا بدمائهم قدر اكتراثها بالسؤال (من يقتل من؟) بها كانت تغذي (عواجلها) الخبرية، ناهيك عن انخراطها في حصار دولي حرم الجزائر الاستفادة من تجهيزات متطورة لمحاربة الإرهاب الدموي الذي نكّل بالجزائريين . ما تزل فرنسا إلى اليوم تطرح السؤال نفسه في ملف رهبانها السبعة بدير تيبحرين في محاولة لابتزاز السلطة أو هكذا تعتقد ! ولم يتحرج ساساتها، ممّا يٌعتقد عندنا أنه "خلط بين كفاح مشروع وإرهاب مقيت" والحقيقة أن فرنسا (الرسمية) وغير الرسمية، تتمادى مع سبق الإصرار والترصد في إذلاننا جميعا، ولا تنقصنا الأمثلة فهي كثيرة:

عقب تفجيرات ( الجمعة 13 ) في نوفمبر2015، راحت فرنسا تطالب الجزائر بزيادة تأمين تمثيلياتها الدبلوماسية ومصالحها الإقتصادية اتقاء استهدافها من (دواعش) الداخل. لم تطلب فرنسا الخدمة من الجزائر عبر الهاتف أو في رسالة بعيدا عن (هيلولة) الإعلام، فعلت ذلك عبر بيان رسمي علني تصدره خارجيتها باتجاه نظيرتها الجزائرية، كانت طريقتها في إذلال الجزائر علنا والمضي زيادة في (الرفس) على سيادتها، فهل يعقل أن يطالب بلد من بلد آخر تأمين مصالحه والمتفق عليه دبلوماسيا هو حق الدول في دعوة رعاياها إما لأخذ الحيطة والحذر أو إجلائهم كلية من بؤر التوتر؟
الجزائر تفرش البساط الأحمر لسياسيي فرنسا كلما وطأت أقدامهم مطارها الدولي وليس يفرٌق معها أكانوا في مهمات لشمّ تراب الوطن الحلم وزيارة مقابر آبائهم أم في مهمات رسمية، مقابل ذلك تستميت فرنسا في إذلالنا بطريقتها، فتارة ينام وزير في حكومتها (فابيوس) في عزّ اجتماع عمل بالجزائر، وتارة يوجّه آخر (جيرار لونغي) وزير الدفاع الفرنسي السابق ذراع الشرف من تحت قبة البرلمان الفرنسي لمواطنيها، وثالث ( ساركوزي) يطالب بمراجعة اتفاقيات إيفيان بل ويعيب على تونس أنها تتقاسم الحدود مع بلد مصدّر للإرهاب، ورابع ( هولاند ) يحمد الله أن أحد وزرائه عاد سالما من مهمة في الجزائر، وغيرها من صور الرفس على (الشرف) الجزائري كرفض فرنسا أيضا تقديم اعتذار رسمي يعيد لوزير الإتصال حميد قرين اعتباره فيكتفي الناطق باسم "الكي دورسي" (ندال) بـ ( أسفِ ) مٌخجِلة لا خَجٌولَة مع تعهد بألا يتكرر الحادث، مع أنه كان الخامس من نوعه!
في ديسمبر 2014 تحركت فرنسا الرسمية (جميعها) إلى مطارها الدولي لاستقبال وتحت جناح الظلام، "سيرج لازاريفيتش" آخر الرعايا الفرنسيين المحررين من قبضة الجماعات الإرهابية، وإلى جانب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند اصطف وزراء حكومة "مانويل فالس" لاستقبال المواطن الفرنسي العائد إلى بلاده ، وكلهم ببدل رسمية، فيما أرسل هولاند لوزيرنا الأول عبد المالك سلال وهو في زيارة رسمية وببدلة رسمية أنيقة كاتب دولة فرنسي بلباس عطلة نهاية الأسبوع !!
قبول فرانسوا هولاند منح الرعاية الرئاسية لجمعية تضع مجاهدي الثورة وشهدائها ورؤوس الإرهاب في سلة واحدة هو "ذراع شرف" فرنسية أخرى جديدة في عز حملات انتخابات 2017، هي أيضا ذراع شرف لكل من يطمع في تجريم فرنسا الاستعمارية أو يطالبها بالتعويض عن ماضيها الاستدماري في الجزائر، لم يعرف بلد في العالم بأسره مثيلا للعنف الجسدي والنفسي الذي تكبده الجزائريون طيلة 130 سنة من الاحتلال الفرنسي وعشرية سوداء آتت على ما تبقى من ( أخضر) داخل نفوسهم ، وفي كلتا الفترتين التاريخيتين الحالكتين، تعرض الجزائريون لأبشع أنواع التنكيل بالبشر، للذبح مثل الخرفان والدجاج، وبعضهم قطّعت رؤوسهم وأعضائهم التناسلية، وبها كان يتباهى جنود فرنسا (قيم الجمهورية) أمام آلات تصوير وهي تلتقط لهم وتوثق، دون أن يعلمون، جرائمهم في بلد ما يزال بعض ساسته (يسبحّون) باسم فرنسا ويستحلي لسانهم لغتها، وتقلب وزارة التربية، ومعها أبناء فرنسا، الدنيا ولا تقعدها، لأن معلمة شابة أخذت "سيلفي" مع تلامذتها، تحوّل إلى (محاكمة)، المتهم فيها اللغة العربية وحدها !!!