الجزائريون، أو غالبيتهم، يصدرون أحكامهم عن طريق العاطفة، يتأثرون بسرعة ويتفاعلون بسرعة ويحكمون على الأشياء بسرعة، وأحيانا أحسّ بأنّنا لا نفكّر مليّا قبل أن نصدر أحكامنا على الأشياء، وتأكد إحساسي هذا من خلال متابعة النقاش الجاري بشأن بن غبريط، وهو نقاش ساخن ومحتدم، لكنّه من جانب فقط، لأنّ منشطي هذا النقاش هم من المعارضين لسياستها، والمعارضين لها شخصيا.
ويظهر أن خصوم بن غبريط تحرّكهم دواعي ذاتية أكثر منها موضوعية، لأنهم عبّروا عن معارضتهم لها بمجرد تعيينها في الحكومة في ماي 2014، وقبل أن يعرفوا شيئا عن سياستها ونظرتها لقطاع التربية والتعليم.
والسبب الأوّل لمعارضتها هو اسمها، وقيل إنّه يهودي، وأن الوزيرة شخصيا من أصول يهودية، وأنّها مفرنسة ولا تحبّ اللغة العربية، وكان يمكن أن ينتظروا قليلا، بضعة أسابيع أو بضعة أشهر مثلا، حتى تكشف عن برنامجها المخصص لقطاع التربية ثم يطلقون أحكامهم.
ليس من المنطق أو من العقل أن نحكم على شخص من خلال اسمه أو أصله وفصله، بل من خلال عمله وسلوكه، على سبيل المثال أظن أن الوزير السابق للتربية، أبو بكر بن بوزيد، واسمه عربي قحّ، اسمه ولقبه وليس اسمه فقط، كان وزيرا سيئا في هذا القطاع، بل أستطيع القول إنّه كان من أسوأ الوزراء الذين عرفهم قطاع التربية منذ 1962، ولا أعرف لماذا أصبحنا حسّاسين من كون البعض منّا، يهود، وقد عاشوا بيننا وعشنا بينهم وأصبحوا مسلمين مثلنا .. ولا تربطهم علاقة بإسرائيل ومتعاطفون مع فلسطين ويمقتون الصهيونية والفكر الصهيوني مثلنا، بل أكثر من ذلك، كان على منتقدي بن غبريط أن يتريّثوا قليلا، وإذا رأوا بأن برنامجها معادي للقيم الوطنية وقيّم المجتمع يشرعون في حملتهم ضدّها وهذا حقهم لا ينازعهم فيه أحد، لكن هذا لم يحدث، بل أن هؤلاء الخصوم شنّوا حملة ضدّها بعد تسريب بعض المعلومات عن استعانتها بأساتذة بداغوجيا فرنسيين لتقديم المساعدة البيداغوجية عند وضع البرامج الجديدة للمدرسة الجزائرية، وكأن هؤلاء البيداغوجيين جاؤوا لنشر المسيحية في الجزائر، مع العلم أن مستوى التربية والتعليم في فرنسا قوّي ونوعي ويتفوّق بكثير على مستوى التربية والتعليم في الجزائر، هذه حقيقة لا يجب أن نخشى من الاعتراف بها، وأنا شخصيا أتمنى أن تستعين بن غبريط بخبراء البيداغوجيا، ليس من فرنسا فقط بل من كل الدول المتطورة ذات المستوى التعليمي والتربوي الرفيع، أما بخصوص اللغة الفرنسية، فقد نسي خصوم الوزيرة _ على ما يبدو _ أن النقاش خاطئ وأنّ أبناء الشعب البسطاء هم ضحيّة هذا النقاش الخاطئ، ودليلي هو هذا، أين درس أبناء من كانوا ينادون بتدريس العربية فقط في مدارسنا وجامعاتنا؟، سأقول لمن لا يعرف، لقد درسوا اللغة الفرنسية وفي فرنسا أيّها الإخوة، وتخرجوا من الجامعات الفرنسية أطباء وخبراء في تخصصات أخرى، وقائمة الأسماء موجودة لمن يريد أن يعرف أكثر، حيث تبوأوا المناصب المهمّة في الدولة والحكومة بحكم معرفتهم باللغة الفرنسية، في حين أرسل أبناء الشعب الآخرين المعربين الذين درسوا في الجزائر إلى المناصب الدنيا، وجعلوهم يشعرون بعقدة اللغة ويشعرون بالدونية، بل أكثر من هذا حتى بعض الإعلاميين الذين يشنّون الحرب ضد بن غبريط بسبب الفرنسية، وهم معربون ولا يعرفون اللغة الفرنسية، يرسلون أبناءهم للدراسة في فرنسا، وعندما يتخرجون يتم تعيينهم في المناصب المهمة في الدولة، في حين يبقى خصوم الفرنسية يتبادلون الخطب العصماء في "الفايسبوك" ضد فرنسا والفرنسية وضد بن غبريط ..وكأنهم في حرب مقدسة.
من المؤكد أن بن غبريط مسؤولة أدبيا ومعنويا على الأقل، على تسريب أسئلة البكالوريا وعلى الأخطاء الواردة في الكتب المدرسية ويجب انتقادها وتحميلها المسؤولية، لكنّ الحماسة الزائدة يجب أن لا تذهب بنا بعيدا، فنتوه في النقاشات الخاطئة وأصحاب المصلحة ممّا يجري يضحكون ويقهقهون على هؤلاء الخصوم التنفيذيين.
لننتظر سنتين أو ثلاث ونتمعن فيما تقترحه الوزيرة ثم نحكم عليها بعقولنا وليس بعواطفنا، فإن كانت برامجها جيّدة ندعمها، وإن كانت سيئة ننتقدها ونطالب بتغييرها..
إنني أحلم بأن يدرس كل أبناء الشعب في مدرسة جزائرية قوّية ويدرسون برامج قوّية، ويتعلّمون الفرنسية والإنجليزية، طبعا إلى جانب اللغة الأم العربية، حتى يتخرجوا بمستوى جيّد، مثلهم مثل أبناء المسؤولين الذين يذهبون إلى الخارج للدراسة، وهكذا يزاحم أبناؤنا أبناءهم ويصلون إلى المناصب المهمّة مثلهم ولا يتعقدون أمامهم.