أرسلت الحكومة قبل أيام إشارات إيجابية عن إمكانية رفع الحظر عن استيراد المركبات المستعملة بين 3 إلى 5 سنوات، في خطوة أخرى لدعم السوق الداخلية بنشاط ظل مجمدا لفترة طويلة، الشيء الذي زاد من احتكار الوكالات والرفع من الأسعار. الترخيص لاستيراد السيارات المستعملة يعني السماح لسلعة إحلالية من تعويض النقص في عرض السيارات، ما يدفع إلى عودة الأسعار الإحلالية لسوق السيارات من جديد، ومعروف في الاقتصاد أن الأسعار الإحلالية تعمل في اتجاه خفض الأسعار الأصلية بما يخدم زيادة الطلب، توازن العرض والأهم من كل هذا إطلاق واستغلال وعاء جبائي جديد.

توقعات
وعليه، ينتظر أن تشهد سوق السيارات بالجزائر هبوطا في الأسعار قد يلامس الـ30 بالمائة، وقد بدأت فعلا الإشارات الأولى لهذا الهبوط أياما قليلة بعد تصريحات حكومية في الموضوع. كما ينتظر أن تتعزز المنظومة الجبائية في بلادنا بمنتج جبائي جديد ربما يكون رسما على النشاط المهني من فئة 2 بالمائة أو رسما داخليا للاستهلاك حول نسبة الـ10 بالمائة، فضلا عن قسيمات جبائية أخرى، وفي كل الأحوال ستستفيد الحكومة من وعاء جبائي مهم بالنظر إلى الزيادة المرتقبة في رقم أعمال نشاط استيراد وتسويق المركبات، ولكن وفي نفس الوقت وأمام هذه الفرصة هناك مخاطر أن يكون النشاط الجديد مسرحا لسوق موازية جديدة شأن سوق النقد الأجنبي، ما لم يتم تنظيم هذا الإجراء وفق دفتر شروط واضح ومتابعة أكثر دقة من متابعة العمل بالسيارات الجديدة عندما رخص للوكالات ولـ(الفرانشايز) قبل سنوات دون استشراف إمكانية ظهور الأسعار الاحتكارية بدل الأسعار التنافسية، ودون احتساب الأثر على الميزان التجاري.

الابتكار الجبائي
لو اتبعنا قبل اليوم منهجية الجباية المبنية على اتساع الوعاء وتنوع مصادر الضريبة، لأمكن تجنب حالة (الضغط الجبائي) التي مازالت تضغط على فرص استثمار المستثمرين وعلى فرص استهلاك المستهلكين، وعلى فرص ادخار العائلات ونشاط سوق الأوراق المالية. كلما كان الوعاء واسعا تمكنت الحكومة من هامش مناورة أفضل في تصميم قوانين المالية أي في ابتكار حلول الضريبة بحيث تكون الأولوية لخفض النسب مع تجنب الضغط الجبائي بدل رفع النسب في كل مرة في تواز مع رفع الضغط.
ويمكن لواضعي السياسات المالية في الجزائر اختبار إجراء الحكومة الأخير بعد فترة وجيزة، أي عند نهاية السنة المالية بما يشجع على تعميم الفكرة باصطياد قطاعات جديدة مولدة للجباية شأن القطاعات الراكدة في الاقتصاد الوطني وعددها 11 قطاعا، إضافة إلى الخدمات المرافقة في كل قطاع والتي من شأنها إطلاق وظائف جديدة ذات محتوى جبائي خال من الضغط ومستديم.

اتجاهات سوق السيارات
وعندما تقدم الحكومة حلولا متكاملة في شكل سلة منسجمة من الإجراءات تزيد فعالية السياسات، وعلى سبيل المثال وفي فرع السيارات والسيارات الصناعية لا يتعلق الأمر بالمزايا الناتجة عن استيراد المركبات، وإنما أيضا بقطع الغيار التي ترافق دائما المركبات المستعملة وقطع التركيب وتطبيقات السلامة وإطلاق نشاطات جديدة ضمن فضاء السوق الوطنية، بل قد يتطور الأمر إلى إطلاق أسواق جديدة ومهمة في جانب رقم الأعمال ما يعني مصدرا ذهبيا للجباية.
وفضلا عن كل هذا هناك جانب يتعلق بتفضيلات المستهلك حيث من الصعب اقتصاديا إشباع منفعة العائلات بحزمة ضيقة من ماركات السيارات، مثلما هو واقع حاليا في مجال تصنيع السيارة المركبة جزائريا، كما أن القيد الكمي على وحدات إنتاج أو استيراد السيارات الجديدة قد يؤول في المدى المتوسط إلى خلل واسع بين اتجاهات العرض والطلب، عندما يتعلق الأمر بمداخيل العائلات ضعيفة المرونة. وأمام ضيق أفق النقل العمومي وخدمات النقل الخاص من السهولة بمكان استشراف أزمة نقل في الأفق.
حسنا فعلت الحكومة برفع الحظر عن استيراد السيارات المستعملة، ليس من رؤية التحليل الذي قدمنا وهو تحليل مبني على إشارات محلية، ولكن من زاوية نظر أخرى وهي الزاوية الخارجية، أي تدابير الانضمام إلى فضاء انسياب التجارة في العالم وعلى رأسها عضوية المنظمة العالمية للتجارة بما تحمله هذه العضوية من فرص ومخاطر على المؤسسة وعلى الاقتصاد الكلي للدولة.