ما دعاني إلى كتابة شهادتي عن مرضي ومعالجتي في مستشفى مصطفى باشا هو ما تداولته الصحافة بخصوص وفاة زميلنا عبد الحق بوعتورة والتي حدثت، حسب عائلته، بسبب خطأ طبي يتمثل في سوء تشخيص حالته المرضية في كل من مستشفى بير طرارية ومصطفى باشا بالعاصمة، بينما نفى وزير الصحة عبد المالك بوضياف، أن يكون سبب الوفاة " خطأ طبّي"، مثلما قالت زوجته، رغم أنّ الوزير كان زميل بوعتورة في المدرسة الابتدائية.

في 26 شهر جويلية تعرضت لآلام شديدة في البطن وأصبت بأزمة في القولون تمثلت وتسببت في تقيؤ مستمر وحاد طوال الليل وحتى ساعة مبكرة من اليوم الموالي، وكنت أمنّي النفس بأن الأزمة ستمّر وأتجاوزها من خلال تناول دوائي " بنتازا " الذي كنت قد توقفت عن استعماله منذ فترة باعتبار أنّني مصاب بداء "الكرون"، وهو مرض مزمن أصبت به منذ منتصف التسعينيات وأجريت لي عملية جراحية بسببه في1995 بمسشفى سيدي بلعباس. ويعتبر هذا المرض إلى يومنا هذا غامضا ومجهول الأسباب، حيث يتسبب في التهاب الأمعاء أو الالتهاب التقرحي، وقد أصبت به في التهاب المعي الغليظ، ولهذا ينصح الأطباء بنظام غذائي معين والابتعاد عن ما يهيّج التفاعل الالتهابي، وخطر هذا المرض يتمثل في حدوث انسداد معوي وإتلاف الأنسجة الداخلية للأمعاء، وما كان عليّ في تلك الليلة العصيبة سوى التوجه إلى مصلحة الاستعجالات، وكنت لا أستطيع الوقوف ومنهار القوى من شدة الألم، كنت رفقة زوجتي وكانت مصلحة الاستعجالات غاصة بالمرضى، وسمح لي بعضهم أن لا أنتظر طويلا في الطابور، حيث كانت تسود بعض الفوضى، وقامت طبيبة شابة بفحصي وقلت لها إنني أعاني من مرض مزمن فوجهتني مباشرة إلى مصلحة الاستعجالات الجراحية، وهناك تم استقبالي بسهولة من قبل ممرضات وطبيبة مساعدة وقاموا بتسكين الألم لكن طلبوا مني الانتظار حتى يأتي الطبيب " الداخلي" (لانتارن)، ولم يأت الطبيب رغم مرور الوقت ووجود عدد غير قليل من المرضى، وكلّهم يعانون من آلام شديدة ويوجدون في حالة خطر، لم تتوقف الممرضات عن الاتصال به حتي يأتي ليقوم بفحصي ومعاينتي أنا والمرضى الآخرين، غير أنّ الطبيب الذي لم يتم دارسته بعد، طلب من إحدى الممرضات أن تخبره بالهاتف كيف هيّ حالتي وأن تصف له وضعيتي غير أن الممرضة رفضت وأبلغته بأن الأمر خطير وعدد المرضى كبير وعليه أن يأتي فورا، وأخبرته أنّها غير قادرة على أن تقوم بعمل غير عملها، وكانت تتكلم أمام المرضى، نظرت إليّ الممرضة وهي محرجة، وقالت ربما لرفع معنوياتي، أنه سيأتي بعد وقت قصير، وتصادف في تلك اللحظات أن دخل المصلحة طبيب من الذين أعرفهم شخصيا، فتفاجأ بوجودي وسألني عن مرضي، فقلت له بأنني مصاب بآلام حادة نتيجة تهيج المعي الغليظ، تكلم الطبيب الذي أعرفه مع الممرضتين، فقالا له أنهما لم يكفّا عن الاتصال بالطبيب (الداخلي) المختص بالأمراض الهضمية إلا أنه لم يأت إلى حد الآن، فطمأنني هذا الطبيب بأنه سيتصل به حالا، وخرج الطبيب (ربما ليتصل به بالهاتف)، وبعد لحظات جاء الطبيب المنتظر وهو منقبض الوجه وفي حالة تذمر، وراح يتعامل مع المرضى بانزعاج، فأثارني ذلك وأقلقني ونرفزني، ويبدو من خلال تصرفاته كأنّه ينفذ أعمالا شاقة وليس في مهنة نبيلة تتمثل في معالجة المرضى والتخفيف من آلامهم وإنقاذ حياتهم، تقدم مني الطبيب المنزعج وأنا ممدد على السرير، وسأني بطريقة جافة " واش بيك؟ "، فوصفت له حالتي وقلت له بأنني مصاب بمرض " الكرون" منذ 1995 وأجريت لي عملية جراحية في مستشفى سيدي بلعباس، وأنني أتقيأ باستمرار منذ البارحة وأشعر بآلام حادّة في المعدة لا تريد أن تتوقف، فسألني إن كان معي ملّفي الطبّي؟، فأخبرته بأننّي قمت بالعملية منذ عشرين سنة وأنني مرضت بطريقة مفاجئة، لكن الطبيب أثارني بهذا السؤال وأنا في غاية الألم والوجع " ولماذا قمت بالعملية في مستشفى سيدي بلعباس"، فقلت له وأنا أقاوم نفسي الهزيلة حتى لا أنفجر غاضبا من جديد "لأنني لحظة الأزمة كنت في منزل عائلتي في سيدي بلعباس"، أحسّ هذا الطبيب بنبرتي الغاضبة وبدا مرتبكا وغير متقبل لطريقتي في الردّ على أسلوبه في التعامل، فجلس إلى المكتب وكتب لي وصفة طبية من دون أن يلتفت إلى خطورة الانسداد التي كنت أعاني منه، وقال لي إذهب إلى البيت لأنك تعاني من الإمساك فقط، تماما مثلما قيل للمرحوم عبد الحقّ بوعتورة، وطلب منّي أن أعود إلى المصلحة في السابعة مساء للتأكد من عدم تدهور حالتي، ذهبت وزوجتي إلى البيت وتناولت الدواء الذي وصفه لي هذا الطبيب الداخلي "لانتارن"، لكن ما أن مرّت نصف ساعة حتى عاود الألم والقيء الحاد من جديد، وراح العرق البارد يتصبب من جسدي كله وأنا غير قادر على حمل جسدي، فتمّ حملي ونقلي إلى المستشفى من جديد، وكان علي أن أقاوم الألم وأتحمله بصبر حتى لا أفقد الوعي، وعندها قرر هذا الطبيب، عندما رأى حالتي تتدهور أن أبقى داخل المصلحة تحت المراقبة، وتمّ نقلي من جديد لإجراء الأشعّة، وكانت القاعة غاصة بالمرضى، ومن حين إلى آخر كان هاز التصوير يتعطل، ولكن الشخص الذي كان يشرف على فحص المرضى كان يقوم بجهد منقطع النظير ولاحظت ذلك طوال المساء وإلى غاية ساعة متقدمة من اليوم التالي، لأنني عدت لإجراء الأشعة والفحوصات أربعة مرات، وكانت الطبيبة المناوبة في ذلك اليوم قد قامت بجهد كبير أيضا، وقد أضافت على ساعات وقت العمل المخصص لها ونحن نقوم بإجراء الأشعّة والفحوصات إلى السكانير، وذلك بعد قدوم الطبيب الجراح الذي عاين حالتي مباشرة بعد انتهائه من إجراء عملية جراحية لمريض آخر، وقد تقرّر وضعي تحت المراقبة إلى غاية الصباح عندما تقرر إجراء العملية الجراحية في الساعة الواحدة بعد الظهر، واستغرقت العملية حوالي خمس ساعات لأعود إلى الحياة من جديد ومن بعيد.
ويجب الاعتراف هنا أن الأطباء والممرضين والممرضات الذين تعاملوا معي كانوا في أغلبهم من ذوي الضمائر المهنية والاستقامة الأخلاقية برغم أنهم كانوا يعملون في ظروف صعبة وغير آمنة وليس لديهم كل وسائل العمل، واستخلصت وأنا أمضي أياما بكاملها في قسم الجراحة بمستشفى مصطفى أن الجهد يعود إلى الأطباء والممرضات أكثر منه إلى الإدارة، وقد قال لي أحد المسؤولين في قطاع الإعلام الذي جاء لعيادتي بأنه مستغرب من نظافة القسم وأداء الخدمة التي تقدم خاصة وأن العلاج مجاني، فقلت له أجل يوجد هناك الشيء الإيجابي الذي يجب أن يثمّن ويشجع أصحابه وتوجد الأشياء السلبية التي يجب أن تسلط عليها الأضواء.

وفي نهاية المطاف، فإن هذا القسم الذي يشرف عليه أحد كبار الجراحين في الجزائر، كاد بسبب الإهمال الإداري، أن يتعرض لفضيحة غير مسبوقة عشية أول يوم عيد أضحى، تتمثل في حريق مهول كاد أن يكون سببا في مصرع الأطباء والممرضين والممرضات والمرضى، والسبب؟! أنه لم يكن بالمستشفى الوسائل الأولية لإطفاء الحريق الذي بدأ في المساء لينتبه له في الساعات الأولى من اليوم الموالي، لأن القسم يفتقر إلى الأمن ومن يسهرون على حياة المقيمين به.

إنني لا أعرف بالضبط ظروف مرور المرحوم عبد الحق بوعتورة بمستشفى مصطفى باشا، لكن ربما يكون قد مرّ على الطبيب " الداخلي" نفسه، الذي رفض المجيء لمعالجة المرضى المكلف بمعالجتهم، ويمكن أن يكون هو نفسه الذي أخبره بأنه مصاب فقط بالإمساك، مثلما قالت زوجته(وحصل معي الشيء نفسه)، وقد منحوا لبوعتورة وصفة طبيّة مثلي لشراء دواء مضاد للألم وطلبوا منه أن يذهب إلى بيته (حسب شهادة زوجته)، وهذا ما حصل معي أنا أيضا، كما أن زوجته قالت إن طبيب الأشعة أجرى له 4 صور لأربعة أجزاء من المعدة على الفيلم نفسه بسبب ندرة الأفلام والتقشف، ولاحظت أنا بأن جهاز التصوير كان يتعطل ويتوقف، وهذا عدة مرّات.
أقدم هذه الشهادة حتى يفهم مسؤولو الصحّة أن مرضى كثيرون يموتون بسبب الإهمال وسوء التسيير والأخطاء التي يرتكبها الأطباء بسبب عدم احترامهم للمرضى وعدم قيامهم بالواجب وعدم احترامهم لضمائرهم المهنية.