شهد الدخول الثقافي لهذا العام ظاهرة صحية لم تعرفها البلاد من قبل، وهي صدور عدد كبير لم أتمكن من حصره إلى حد الساعة من الروايات الأدبية وغير الأدبية، وبغض النظر عن المستوى المتواضع لجل تلك المنشورات الروائية، إلا ان الظاهرة في حد ذاتها، تستحق التشجيع والتنويه، في انتظار ان تلتحق بها، بقية الأنواع الثقافية والأدبية، وهو ما من شأنه ان يمكن الساحة الثقافية من خلق تقاليد معرفية وثقافية غنية ومتنوعة، يستعر جراها التنافس، ليبقى فقط الأكثر احترافية وألق وإبداع، يزول معه احتكار اسماء بعينها للساحة الثقافية والأدبية لسنين طويلة.
ومن بين تلك الروايات التي تأتى لي الاطلاع عليها رواية "بصمات" للروائية الجزائرية الشابة ليلى بيران، الصادرة عن دار كوكب العلوم بالجزائر في 147 صفحة، وتأتي "بصمات" بعد أختها الكبرى "رنيم" الصادرة منذ سنتين في مصر والتي لقيت حفاوة نقدية محترمة فور صدورها.
ومع القراءة الأولى لصفحات العمل السردي الجديد، يستشعر القارئ ان الشخصيات ليست بالغريبة عن شخوص "رنيم" ولا عن أجوائها، وان تباعدت الأزمنة بينهما ، وتطورت الأمكنة لمجريات السيرورة القصصية لكليهما، لكن أجواب البيئة المحافظة، ورهاب الصرامة الأبوية، وتداعياته لم تنفك أغلاله عن عنق البطلة، وان تطورت الحياة، وتشعبت الانشغالات، وتكاثرت الجواذب، وتجارب الأقران بخيباتها، وأحزانها .
يجنح الخيال السردي لليلى بيران في رمزية مفتوحة، بين التجربة الشخصية للبطلة، وسيرورة الأحداث في الوطن، فرجال "التوكيل المقدس"، والأبوة لشخصية والوطنية، المفروضة على الظاهر والباطن والحاضر والمستقبل، تنوء بكلكلها شخوص الرواية، كما هو الحال مع غالبية الشعب، وهو ما تحاول لجمه والحد من جبروته وسطوته، ردود الفعل المتقلبة، والعنيفة في اغلبها، والتي تأثر سلبا على مسار الأحداث ونهاياتها المفتوحة .
إذا الأنظمة القمعية والحواجز الدوغمائية المفروضة والمرفوضة هو ما اختارته بيران موضوعا لـ"بصمات" تشرح فيه المآسي الشخصية، تفسر بدورها احزان الوطن، وخيبات شعب، واستقلال أراده صانعوه ان يكون بوابة للحرية والإبداع ، وأرادته زمرة من المتمكنين، سبية للتنفيس عن مكبوتاتهم وعجزهم، لتنتهي "بصمات" على مستقبل مفتوح، ملبد بغيوم وعلامات استفهام.