هذا كتاب لم يحلم به محمد أركون في حياته يوما، وتلك هي الأسرار التي يخبئها لنا القدر بينما نحن غارقين حتى الذقن في استراتيجيات لا حدود لها سوى تلك النقطة التي يضعها لها الموت عندما يأتي وهو يعلن بصفيره أن اللعبة انتهت وحان وقت الرحيل، كتاب لم يكتبه مريد أو باحث مهوس بالأسئلة التي سكنت أركون حياته كلها ومن عاشروه وقاسموه محنة السؤال طيلة نبشه فيما أسماه بالعقل الإسلامي، مقتفيا أثر كانط في نقده العقل الخالص، بل أن كاتبه هو من صلبه كما يقولون، ولم يكن الصاحب سوى سيلفي ابنته من ميشال زوجته الفرنسية، ولم تكن سيلفي نفسها تتصور يوما أنها ستخوض رحلة البحث عن الأب، الذي كانت تجهل عنه الكثير، لم تكن قارئة لكتبه ومشاركة له في معاناته الوجودية بعالم الإسلام والعقل الإسلامي ومصير المسلم اليوم في عالم متحول، تمزقه الشكوك والكراهيات والعصبيات والحروب ذات الأشكال المتعددة والمرعبة والمثيرة للأسئلة المحيرة التي لم تزدد مع الوقت سوى اتساع والتهاب، ولم تكن تعرف من الأب إلا تلك الصورة ربما الحميمة لكن البتراء وغير المكتملة، ولم تكن البداية إلا في ذلك اليوم من عام 2010، عندما دخل محمد المشفى الخاص وهو يخوض آخر معاركه في الحياة، لكن هذه المرة ليس ضد رجعية الأفكار والدعوة إلى العودة إلى أزمنة ظلامية بل ضد الزمن، ضد المرض وذلك من أجل الحفاظ على الجسد أمام غواية العدم، معركة ستكشف عن ملامحها في صمت وبسرعة مع الابتعاد المتنامي لمحمد عن الحياة والاقتراب شيئا فشيئا من تلك الكلمة المبتذلة والغريبة والمزعجة والمولدة لقلق غامض "الموت" التي تعيش معنا في مبالاتنا ولامبلاتنا، لكن دائما نتجنب النظر إليها بعيون مفتوحة ووجها لوجه، نعرف أنها تنتظر لكننا نظل نؤجل الانتظار إلى مالانهاية وكأننا نريد لهذا الانتظار أن يبقى لحظة أبدية.. تنزلق قدما سيلفي دون أن تدري شيئا فشيئا في عالم المرض والأيام الأخيرة دون أن تدري، تدخل بكليتها في يوميات المرض والمشفى وأجواء الأطباء والبيروقراطية الطبية الباردة المجردة من الأحاسيس، وتغرق في أدغال عوالمها المثيرة للأعصاب والتوتر والخوف الغامض والقلق والشعور المر والمؤلم بالوحدة وتفاهة حياة الإنسان وعراء الأشياء التي لم نكن نظن يوما أنها على تلك الحال المليء بالقسوة واللامعنى، وتصل سيلفي إلى لحظة رؤية الموت بعينيها المفتوحتين، أن ترى الموت بعينين مفتوحين وهو يخطف منك جزءا منك يجعلك تكتشف لحظة خفية لم يخبرك من قبل أحد عن جوهرها وملامحها، الذي يهز كل يقينياتك وما كان راسبا بأعماقك، وهذه اللحظة قد تسمى أيضا لحظة الحقيقية التي تزيل كل تلك الغشاوة التي كانت تغلف بصرك وبصيرتك لرؤية الأشياء من حولك على حقيقتها وكما هي، وبالتالي حقيقتك أنت، من هنا بدأ يتشكل وعي العالم القريب الذي كان عبارة عن صندوق مغلق بالنسبة لابنة أركون، ووالدها هو جزء من هذا العالم الذي كانته دون معرفته، اكتشفت أن والدها المختزل في حياتها العائلية هو آخر، كان عليها أن تعرفه لمعرفة ذاتها أو الأجزاء المجهولة من ذاتها، وتبدأ الرحلة من إصرار زوجته المغربية ثريا أن يوارى محمد في الدار البيضاء بالمغرب وليس في فرنسا أو في بلدته تاوريرت ميمون بمنطقة القبائل، (الجزائر) وكانت ثريا الزوجة المغربية هي صاحبة الكلمة الفصل أمام البنت والأم الفرنسيتين، وأمام الأهل في تاوريرت ميمون، ولم تجد سيلفي أمامها من حل إلا الإذعان وتعليل النفس بإقامة تكريم لمحمد والدها في العالم العربي بفرنسا بعد أن يوارى التراب في البلد الذي تقول زوجته المغربية إنه ترك وصيته ليدفن بالمغرب، تبدأ خيوط رحلة سيلفي في البحث عن الوالد المجهول بدءا من رحلتها مع لحظة رحيل الأب، ونقله إلى المغرب، حيث ستكشف هناك أبناء وشركاء روحيين لأبيها الحقيقي في الفكر والثقافة التي وضع عمره خدمة لقضيتها وليس أي ثقافة بل هي ثقافة التنوير واستعادة الإسلام في روحه الإنسانية، كما كان يريد أن يكون أركون نفسه، ومن لحظة الرحلة المغربية في دفن الأب تنبعث حياة جديدة من روح الأب في أعماق ابنته لاستعادة الحيوات الخفية لمحمد أركون، فتنخرط سيلفي في البحث عن شتات الأب في شتات الأصدقاء والشركاء الثقافيين والمريدين وفي شجرة العائلة من أقارب في تاوريرت ميمون لم تتعرف عليهم من قبل، ولم تتحدث إلى أبيها عنهم ولم يتحدث والدها إليها عن حياته تلك، حياة الأم، والأب والإخوة والأخوات، ما يجعلها تلتقي بالبلد الجزائر الجريح بسنواته التسعينية أيام الحرب المجنونة، لكنها تلتقي أيضا نساءه الأخريات من معجبات بأفكار الرجل، وبجسده أيضا في فترة من فترات حياته، بمن اشتغلوا على فكره، وارتبطوا معه بصداقات روحية وثقافية، كل ذلك ترويه لنا ابنة أركون الفرنسية بحميمية، ومعاناة وشراهة وفضول خلاق في بحث عن الأب، لكن في ذات الوقت بحث عن ذاتها وأشلائها المتناثرة في الظلام، كتاب عن أركون في حالاته الحميمة، الجميلة والمؤلمة، أعادت بناءها سيلفي أركون وهي تنشئ معمارية كتابها عن والدها الذي أسمته "حيوات محمد أركون" أعادت نشره بالجزائر منشورات البرزخ، كتاب يروي أركون وتمزقاته بين عدة عوالم قاومته في الجزائر وفرنسا، لم ترد تفهمه وهو الذي رفض المتعصبون فهمه، لكن هذا الرجل ترك لنا وهو يقاوم بالفكر إلى آخر رمق في حياته قصة جميلة في حب الإنسان، وعشق المعرفة في سبيل عالم متصالح مع نفسه، ومع الآخر أيا كانت عقائده، ديانته أو ثقافته.