"كثرة الضحك تميت القلب"، يكشف لنا هذا الحديث عن دلالة الشيء عندما ينقلب إلى ضده ويتحول من قيمة إلى قيمة مضادة مخربة لذاتها، وبالتالي نافية لذاتها عندما لا تتحكم في آليات وعي الذات، وهذا ما حدث بالفعل للجريدة الفرنسية المتهكمة "شارلي ايبدو" التي انتقلت من الدفاع الحقيقي عبر الروح النقدية التهكمية عن الإرث الجمهوري ضد العنصرية والتمايز الاجتماعي والثقافي ضد المهاجرين والفرنسيين المتجنسين من أصول إفريقية وعربية وإسلامية وآسيوية، وما المظاهرة التي نظمتها الجالية الصينية مؤخرا، في باريس ضد العنف العنصري الذي بات يستهدفها إلا تعبيرا صاخبا عن مثل هذا الوضع الذي طالما رفعت رايته "شارلي ايبدو" في مرحلتها التقدمية، لكن سرعان ما ضلّت "شارلي" طريقها عندما قادها نقدها الذاتوي للإسلام والمسلمين إلى طريق آخر غير السبيل الذي كان يميزها، حيث أضاعت دلالة النقد من خلال سقوطها في الفخ الهوياتي، مما جعلها تدخل في لعبة المتشددين التواقين إلى من يغذي تطرفهم ورغبتهم العميقة في إيجاد الذريعة لصناعة الموت باسم الدين، الذين قصروا فهمهم له على أنفسهم ووفق منطقهم الخاص، والقصة وتداعياتها بين شارلي والإسلام (وية) والمسلمين بات أشهر من نار على علم بعد تلك الدرامية التي هزت فرنسا والضمير المسلم في الوقت نفسه، وكنتيجة منطقية للطريق المسدود الذي انتهت إليه الروح النقدية والساخرة المتأزمة لشارلي الذي أصبح يكشف عن أزمة القيم الجمهورية والديمقراطية في فرنسا وحدود النزعة الإنسانوية التي هي في الحقيقة تعبيرا عن انحطاط اليسار ومأزق اليمين الذي راح يرفع شعار "الهوية الوطنية" كذريعة، نلاحظ ذلك السقوط الذريع لشارلي في تعاطيها مع المأساة الإيطالية حيث كانت نكتتها عن الضحايا سمجة، احتقارية وبذيئة مما جعل ردّ الفعل الإيطالي يصدر عن جريدة إيطالية، أعادت إنتاج الكراهية المضادة بشكل أكثر سماجة وعنفا وابتذالا، مما جرّد السخرية من كل روحها الفكهة، الجذلانة، التي عبّر عنها النقديون الكبار من نيتشه بمطرقته الهدامة الخلاقة في الوقت ذاته، إلى عبقري الكتابة الفرنسية الساخرة رابليه، ومثل هذا التأزم الفرنسي جعل كاتبا وفيلسوفا لامعا مثل إيمانويل تود يكتب مؤلفا أثار الكثير من الإزعاج لأنه كتاب يعري أزمة الروح والفكر الفرنسيين، من خلال كشفه عن صعود الاستبدادية الفرنسية تجاه الفرنسيين من أصول عالم ثالثية، من خلال هذه النزعة الاحتقارية التي راحت "شارلي" باسم النقدية الانتقائية والمزيفة تذكي نارها داخل المجتمع الفرنسي، لكن أيضا داخل الثقافات المصابة في صميم شرفها وكرامتها.