باعت كل مجوهراتها بما في ذلك "محزمة" الذهب التي أهداها إياها والدها العلامة الشيخ العربي التبسي – رحمه الله- ليلة زفافها، وغسلت مرحاض المستشفى الذي رقد فيه وزير التربية الوطنية السابق، زوجها الدبلوماسي محمد الميلي 12 يوما كاملا بمستشفى عين النعجة العسكري، قبل أن تسافر به إلى فرنسا و الحسرة تأكل بقايا قلب ضعيف ترّهل سريعا من فرط تجاهل (الوطن) الذي أعطت له زينب الميلي، وقبلها مبارك الميلي ومحمد الميلي كل ما يملكون، كان الثلاثة أقلاما تمشي وفكرا يجري في ربوعه، لا أحد التفت لزينب، وكم من زينب في الجزائر؟ كم من إعلامية تركن إلى وجع، إلى همّ، إلى مصيبة، ولا أحد يعلم بها، يتقاسم الوجع والهم والمصيبة معها، ستنعي زينب زوجها لوحدها وستبكيه في ركن بارد وسـ (تلعن) النخب كلها السياسية والثقافية التي طأطأت رأسها وخرست.
زينب الميلي من إعلاميات الرعيل الأول، وربما لا تعرف تاريخها الكثير من الصحفيات، وتابَعتٌ كيف ارتسمت علامات الاستفهام على وجوه الكثير من الإعلاميات وهن يغطين فعالية كّرم فيها وزير الإتصال حميد قرين قبل سنتين، ولأول مرة، عميدات الصحافة الوطنية، فطومة دردار وميمي معزيز ومليكة بلكحلة وحنيفة بلعزوق وليلى بوكلي وباية الهاشمي وزهور ونيسي والصحفية المصورة لويزة جدايدية، أجزم أن غالبية الصحفيات لم يكن يعرفهن مسار تلك العميدات ولم يسمعن بأسمائهن، وأضعف الإيمان أنهن هرولن نحو الشبكة العنكبوتية يبحثن عن تفاصيل تحكي عنهن، فلم يجدن أثرا لهن، تابعت معظم التغطيات باللغتين العربية كما الفرنسية، فكان الموضوع واحدا متشابهة عدد حروفه، ولم أجد تقريرا واحدا يتوقف عند تلك الأسماء، من تكون؟ وكيف دخلت عالم الصحافة؟ وكيف انصرفت عنه، ولماذا؟ وماذا كتبت تلك الأسماء؟ وحول ماذا كانت تكتب؟ لا شيء من هذا كان متوفرا في بضع تلك الأسطر التي خرجت بها الصحف الوطنية في اليوم التالي من حفل التكريم، كيف وقعنا في فم العدم، ومن يتحمل مسؤولية التغييب؟ أهو الوطن الذي يتنكر لأبنائه؟ أم الإعلاميات اللائي لم يجدن تنظيما مهنيا أو جمعية تحضنه وتجمع شتاتهن، تتابع إسهاماتهن، وعندما يرحلن تخلد ذكراهن وتنعي فقدانهن، ولا يحتجن بعد ذلك التفاتة بائسة في الوقت بدل الضائع من وزارة تشبه الصدقة !
كم من زينب الميلي تركن في زاوية ما من الوطن ولا نعلم مصيرهن، كيف صرن في عداد المجهولين وغالبيتهن كافحن بالقلم تماما كما كافحت نساء أخريات بالسلاح أو بتحضير "كسرة سخونة" لمجاهدين أو تضميد جرح نازف لشهداء، أين هن صحفيات العشرية السوداء؟ وقبلهن صحفيات السبعينيات و الثمانينات والتسعينيات؟ أعلم أن أقلاما نسوية سنذكرها لاحقا، تأذى بعضها من مرحلة التسعينيات تحديدا، فأجبرت على الرحيل، على الهجرة بعيدا وقلبهن معلقا بالحبيبة الجزائر، وأقلاما أخرى تلعن الصحافة والكتابة لأنها لم تؤّمن لها العيش الكريم بعدما وجدت نفسها ضحية تحرش أو ابتزاز أو عجرفة مسؤولين انتفخت بطونهم مقابل بطون أخرى دخلت في ظهور أصحابها لـ " سياسية التجويع" التي اشترك في تنفيذها بعض ناشري الصحف بالتواطؤ مع سلطة توّزع الريع على من تشاء.
والدعوة الآن لإطلاق تنظيم مهني يكون حاضنة للإعلاميات الجزائريات، مبادرة تأتي في وقت تكاد تجمع آراء الإعلاميين الجزائريين جميعا أن الصحافة صارت مهنة الموت البطيء، مهنة تأكل أبناءها في صمت، ولا شك أن جلوس الإعلاميات لبعضهن البعض، والحديث عن مشاكلهن، وطرح انشغالهن، وقد تأخرن جدا عن نظيرتهن في دول شقيقة وصديقة، يخفّف من وطأة الضغط المتولد عن طبيعة المهنة نفسها، فإذا كان بإمكان الإعلامي الرجل، المعرض لنفس الضغوط، الإنصراف باتجاه المقاهي والسينما والنوادي بعد يوم متعب، فالأمر ليس متاحا لنظيرته الإعلامية المطالبة بالعودة إلى بيتها ومطبخها وأطفالها، وهي تجّر وراءها حمل يوم لم تنته أثقاله بعد، ولا شك أن تنظيمات من هذا النوع، أمامها مسؤولية تصويب مثل هذا الوضع، بأن تقترح بدائل تراعي خصوصيات المرأة الإعلامية، في كل المناسبات التي يختلف فيها دور الرجل عن المرأة، فلا ينعكس سلبيا عليها هي وحدها، وكم قاد هذا الاختلال في قطاع الصحافة تحديدا إلى هجرة الإعلاميات باتجاه مهن أخرى أكثر أريحية، لا يلزمن فيها بالعمل في كل الأعياد والمناسبات بلا استثناء.
ماذا لو مثل هذا التنظيم المهني المرتقب، نقابيا كان أو اجتماعيا، كان موجودا سلفا عندما تفجّرت قضية الإعلامية المخضرمة زينب الميلي؟ هل كانت ستمّد يدها تتوسّل وتتسوّل عطف السلطة والنخب علّهم يرحمون ضعها وضعف زوجها، أم تراه التنظيم يسارع إلى تبني قضيتها، ويدفع الخيّرين إلى الإلتفاف حولها و مساعدتها على تجاوز ضيقها، كواجب أخلاقي، تخلو منه مواثيق أخلاقيات المهنة التي يحتكم إليها قطاع الصحافة! أعتقدها أهم مهام التنظيم الذي نأمل ميلاده في أقرب الآجال، أي مدّ الجسور باتجاه كل الصحفيات والذهاب نحوهن والسؤال عنهن، وتبني قضاياهن والدفاع عنهن، والإهتمام بإسهامات كل واحدة منهن، وتعريف الآخر بها.
إن الترحيب الذي لقيته فكرة إنشاء تنظيم يجمع شتات الإعلاميات، والحماسة التي تطبع أسئلة اللائي رحن يسألن عن كيفية الإنخراط، ومسارعة بعضهن إلى إرسال أسمائهن وأسماء الوسيلة الإعلامية التي يشتغلن بها على البريد الإلكتروني الذي وضعه المبادرون، تفسر إلى حد الدهشة، حالة العطش إلى مساحة (نون) تجمع كل الصحفيات، والحاجة إلى إطار تنظيمي اجتماعي تطرق بابه الإعلاميات يكون بمثابة بيت ثان لهن، تسكن إليه، وتساهم في بنائه لبنة لبنة حتى يكتمل البناء فيسع كل الصحفيات ويحضن تطلعاتهن.
وحدها إنجاح عملية ميلاد التنظيم المهني المرتقب من سيجّنب السّت زينب وأخريات ممن لا نعلم أي مصير يواجهن، التوسّل والتسّول، أو الإحتضار وحدهن في ركن بارد من البيت، لأن التنظيم سيكون ببساطة ملكٌهٌن وركنٌهن ومملكتٌهن التي تحميهن من شرّ الآت، وتخلّد إسهاماتهن، وعندما تكرمهّن ذات يوم الدولة أو الوزير، سيجد الإعلاميون ما يكتبون حولن، لأن من أهم مهام التنظيم المرتقب، أو هكذا أعتقد، التدوين وحفظ السير.. لأن الأمم التاريخ ، ما ذهب تاريخهم ذهبوا...