اختتمت الاثنين الماضي بمدينة هانغتشو الصينية أعمال قمة الدول العشرين الأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي ببيان أجمعت فيه الدول المشاركة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والصين على توصيتين اثنتين هما : مكافحة الحمائية التجارية وتعزيز السياسات الاقتصادية المشتركة بين الدول . توصيتان تصبان في تحرير أوسع للتجارة العالمية حسب معيارية الانسياب ولكن لا شيء صدر عن القمة بخصوص النظام الاقتصادي العالمي الذي يوشك على الانهيار بسبب تراجع النمو وتوسع رقعة الفقر وزيادة الهجرة نحو الدول الأكثر رخاء عدا الرئيس الصيني الذي ألمح الى ضرورة الانتقال من أداة السياستين المالية والنقدية الى الابتكار ، وهو بالفعل تحد حقيقي أمام مراكز القرار الاقتصادي في العالم للحيلولة دون الدخول في أزمة اقتصادية عالمية جديدة .

انسياب التجارة

لازالت اصوات التجارة العالمية الحرة تتردد منذ إطلاق الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة ( الغات ) العام 1947 ثم اتفاقية انشاء المنظمة العالمية للتجارة العام 1995 دون التوصل الى السقف المطلوب من انسياب التجارة بين الدول . وتراجعت التجارة بين الدول العام الجاري بنسبة 30 بالمائة عن العام 2015 ولم تتجاوز عتبة 22 ترليون دولار حسب تقديرات المنظمة العالمية للتجارة تحت ضغط الركود في منطقة اليورو وتراجع الصادرات الصينية وبسبب اجراءات الحماية في مناطق اقتصادية أخرى ومنها الدول النفطية . ولعب السعر المتدني لبرميل النفط ثم سعر الغاز الطبيعي العابر للحدود خلال العامين الأخيرين دورا مهما في نتيجة التجارة بين الدول عن طريق هبوط الاستيراد في الدول المصدرة للنفط ومنها الجزائر التي تشن معركة أخرى على فاتورة الواردات ، والشيء ذاته يخص دولا عرفت في السابق بموازين تجارية عاجزة إلا أنها ظلت تقاوم من خلال عائدات النفط لغاية الثلث الأخير من العام 2014 .

المتضرر الأول

وتعد الدول المصدرة للصناعة والمنتجات الاستهلاكية والخدمات أول المتضررين من تراجع التجارة بين الدول وعلى رأسها الصين التي خسرت وحدها ما نسبته 20.6 بالمائة من صادراتها بداية العام الجاري 2016 حسب بيانات رسمية لمصلحة الجمارك الصينية ويتوقع لمنطقة اليورو هي الأخرى أن تفقد أسواقا تجارية مهمة في الشرق الأوسط كما بينته حركة التجارة في قناة السويس التي تبد لحد الساعة أية إشارة ايجابية بعد توسيعها مؤخرا . وبالنسبة للدول المصدرة للنفط فإن تراجع العائدات لديها يعد مبررا مقنعا لها في تفسير خططها الحمائية تجاه الواردات التي هي الوجه الآخر لصادرات الدول الكبرى ما يعني مجالا جديدا للتفاوض حول سبل إدارة سوق النفط بالشكل الذي يحمي مصالح الطرفين في وقت واحد .

نحو نظام اقتصادي جديد

تراجع التجارة العالمية تحت ضغط الركود الأوربي وتراجع الصادرات الصينية وهبوط النفط هو ما ساعد الرئيسين الصيني والأمريكي على المرافعة من أجل دعم حرية التجارة ومكافحة الإجراءات الحمائية للدول ولكن مرافعة بكين من أجل تجاوز السياسات النقدية والمالية في إدارة النظام الاقتصادي العالمي تحمل مدلولا جديدا ربما يعطي إشارة انطلاق العمل بنظام اقتصادي جديد . والإشارة مقنعة لجميع الدول الكبرى إذا ما استمرت التجارة العالمية في التراجع بما أنها المتضرر الأول من ذلك لأنها تفتح المجال لسياسات اقتصادية جديدة تتجاوز الحواجز الجمركية وأسعار صرف العملات المرجعية في التبادل .
لا أحد يدري لحد الساعة نمط السياسات الاقتصادية الجديدة ولكن من منظور تنامي المعلومات ونظم الاتصال وتوسع التطبيقات الذكية لا يستبعد أن يحل الاقتصاد غير المادي أي الاقتصاد الرمادي محل الاقتصاد المادي الذي بنيت عليه الأنظمة الرأسمالية .
وفي هذه الحالة سيعاد النظر في أدوات التوازن الكلي للأسواق وربما ستنصرف الأبحاث نحو تطوير النظرية الاقتصادية . وإذا حدث ذلك فإن القرن القادم سيكون فاصلة تاريخية في قياس الاقتصاد العالمي وأدواته ومنها حساب معادلات الدخل القومي والناتج المحلي ومتوسط الدخل وحسابات النمو ومؤشرات التنمية وتعريفات التبادل وهيكلة الحسابات الوطنية .
إن كلمة الابتكار التي وردت في كلمة الرئيس الصيني أمام المشاركين في قمة العشرين قبل أيام ربما تعني هذا الاتجاه في التفكير السياسي عالي المستوى عندما يتعلق الأمر بمواجهة بأزمة هيكلية في الاقتصاد العالمي بدأت تلوح في الأفق .
[email protected]