بحسب الفيلسوف البريطاني برتراند راسل (1872- 1970) "اعتقد الفرنسيون في زمن لويس السادس عشر أنّ كافة المصائب سببها الملك والكهنة، لذا قاموا بقطع رأس الملك وحوّلوا القساوسة إلى هاربين مطلوب القبض عليهم"، وهذا ما حدث مع ثلة من الجزائريين عندما اعتقدوا أنّ فشلهم في التخلص من الاستعمار تسبّب فيه فكرة الزعيم وغير المؤمنين بالعمل المسلح المباشر والفوري، وطبعا كان اندلاع حرب التحرير ونجاحها المحفز لأولئك الشباب الذين سموا تمرّدهم على الزعيم وفي الوقت نفسه على الاستعمار، بالثورة، وكانت العقيدة الجديدة لهذه الثورة، هي لا زعيم غير الشعب، وهكذا نفّذت عملية قتل الزعيم والتخلّص منه، وكان هذا الزعيم مشخصا في منشئ الوطنية الجزائرية مصالي الحاج، ولقد أغلقت في وجهه الأبواب حتى لا يعود، فخُوّن ودفع لأن يكون على رغم إرادته لأن يصبح خصما وبالتالي عدو الثورة والشعب، وخارج لعبة التاريخ الجديد ورمزية الشرعية الجديدة المتولدة عنه بفعل عملي الثورة المسلحة والاستقلال المنجز، لكن سرعان ما نشب نزاع حقيقي بين الزعامات الناشئة التي قام أصحابها وقت الزعيم، لكن نسوا دفنه وإقامة الحداد عليه، ما ترك شبحه يعود إلى عودة شبح هاملت لينتقم من خلال انبعاثه المشوّه من خلال قتلته الذين لم يحسنوا قتله، وكان هذا الانبعاث المشوّه المتجلي في نزاع الورثة على امتلاك جثة الزعيم، يعبر عن لعنة الزعامة التي لحقت بقادة الاستقلال الجدد، من بن بلة وبوضياف وآيت أحمد وفرحات عباس وشعباني إلى بومدين الذي بموته اضمحلت فكرة الزعيم مع خليفة مائع وضعيف، مثل بن جديد وحالت دون انبعاث الزعيم مجدد تداعيات أكتوبر 88 التي دفعت إلى السوق السياسية بفكرة بديل جديد، وهي الديمقراطية، المؤسسة بدل الزعيم، إلا أنّ هذه الفكرة البديلة قوضت أساسها من البداية شمولية الإسلاموية الشعبوية وأنانية العسكرتية إلى خلق أسطورة الزعيم الخفي الموروثة من أكذوبة السلطة الجماعية، ولم يتحقّق المراد عندما لجأت هذه الأخيرة في نهاية التسعينيات إلى مخادعة جديدة، كان الغاية منها اختلاق زعيم واجهة دون زعامة فعلية، وفي نهاية المطاف أضاع الجزائريون فكرة الوجود الفعلي للزعيم وفكرة البديل المؤسساتي الممثل في نخبة سياسية غير وهمية وكاذبة، ومن هنا يأتي كل هذه الكآبة السياسية التي أصبحت تميّز حالنا اليوم الذي يميّزه الضياع، الحيرة والخواء الفكري والخوف من الغد الذي صار مرادفا لكل ما هو غموض، فظاعة انزلاق وانحطاط مشروع الأمل